أبلغ موظفون «الإمارات اليوم» أن جهات عمل حكومية وخاصة أصدرت تعميمات داخلية تحظر على موظفيها القيام بأنشطة تجارية داخل بيئة العمل، وفي مقدمتها تنظيم الجمعيات الشهرية، مشددة على أن جمع أموال من دون تصريح قانوني يعد مخالفة تستوجب المساءلة والعقاب، إضافة إلى أن ممارسة أي نشاط، خصوصاً خلال وقت العمل، تعتبر مخالفة للوائح الانضباط.
وأكد الموظفون أن القرار سببه كثرة الشكاوى والخلافات بين زملاء العمل، بسبب الجمعيات التي يتم تنظيمها وتحول الكثير منها إلى قضايا، ما يضر بعلاقات الزمالة ويؤثر في بيئة العمل.
وتفصيلاً، أكد الموظف في جهة حكومية محلية، مصطفى يوسف، أن قراراً صدر من الإدارة ينص على منع تنظيم أي أنشطة مالية تشاركية بين الموظفين وذلك على خلفية تنظيم أحد الموظفين المقيمين أكثر من جمعية في وقت واحد، وحدوث مشاكل في موعد استلام المستحقات، نتيجة تخلف البعض عن سداد التزاماتهم بعد حصولهم على كامل المبلغ الإجمالي للجمعية ما دفع البعض إلى تقديم شكاوى في منظم الجمعية ورفع دعاوى قضائية أضرت بسمعة المكان.
فيما أشار المهندس بأحد المصانع، محمد مبارك، إلى منع إدارة المصنع تنظيم الجمعيات الشهرية وإنذار من يقوم بذلك بالإحالة إلى الشؤون القانونية واتخاذ الإجراءات التأديبية بحقه، وذلك بعد تنظيم مشرف عمال، جمعية، بين زملائه مدتها 24 شهراً يدفع كل مشترك 5000 درهم شهرياً، وأن أكثر من شخص اشترك في دور واحد، وقد وزّع الأدوار بدءاً من الاسم الحادي عشر واستولى لنفسه على إجمالي مبلغ الأدوار من الأول حتى الـ10 وبعدها هرب وعاد إلى بلده، وترتب على ذلك بلبلة كبيرة في المصنع أثرت في بيئة العمل.
واشتركت الطبيبة بأحد المستشفيات الخاصة، مريم حسني، في جمعية شهرية نظمتها موظفة بالمستشفى، بقيمة إجمالية قدرها 120 ألف درهم، وقد سددت حتى موعد استحقاقها 110 آلاف درهم إلا أنها وفي موعد استحقاقها لقيمة الجمعية، سلمتها منظمة الجمعية مبلغ 30 ألف درهم فقط، وتعللت بأنها لديها ظرف طارئ وعرضت عليها تقسيط باقي المبلغ لها بواقع 3000 درهم شهرياً، واتضح أن الأمر تكرر مع أكثر من مشترك بحجج مختلفة، ما دفعهم لتقديم شكوى ضدها للإدارة والتي فتحت تحقيقاً مع كل المشتركين ووجهت لفت نظر لهم بسبب الانشغال في وقت العمل بأمور شخصية وأصدرت قراراً بمنع هذه الممارسات وتحويل من يكررها للمساءلة والعقاب، ولم يكن أمامهم في النهاية إلا تقديم بلاغ في منظمة الجمعية.
كما أفادت المعلمة في مدرسة خاصة، هند حسان، بأن المدرسة تمنع تنظيم أي نوع من أنواع جمع الأموال في المدرسة بما فيها الجمعيات التشاركية، منذ أكثر من عامين وذلك بعد واقعة تنظيم معلمة لجمعية شهرية، وحدوث مشاكل بينها وبين المشتركين، خصوصاً وأنهم لم يكونوا جميعاً من موظفي المدرسة ولم تستطع الوفاء بالتزاماتها وحضور أكثر من مشترك إلى المدرسة للمطالبة بأمواله، وتحول الأمر في النهاية إلى دعوى قضائية، ما جعل المدرسة تتخذ قراراً بعد تجديد عقدها بعد نهاية العام الدراسي، ومنع تنظيم مثل هذه الجمعيات مرة أخرى بين موظفيها.
وأرجع موظفون انتشار الجمعيات المالية الشهرية في بيئات العمل، بشكل واسع رغم عدم وجود غطاء قانوني واضح لها، إلى الحاجة إلى المال لترتيب الأولويات وتحقيق الاستقرار، بعيداً عن اللجوء إلى البنوك التجارية، ودفع فوائد إضافية، حيث تعد هذه الجمعيات متنفساً وحلاً بديلاً للتمويل الربحي، حيث يحدد كل مشترك موعد استلامه لكامل قيمة الجمعية وفقاً لالتزاماته سواء إيجار سكن أو رسوم تعليم أو حتى نوعاً من الادخار.
فيما أرجع المسؤول الإداري في إحدى المؤسسات الخاصة، محمد معتصم، قرار منع الموظفين من تنظيم جمعيات فيما بينهم إلى حرص جهات العمل على تفادي المشكلات التي قد تنشأ في حال إخلال أي مشارك بالتزاماته، إضافة إلى أن الأنشطة الشخصية لا يجب أن تتم داخل مقار العمل، مشيراً إلى أن استخدام أوقات العمل في ممارسة أنشطة خاصة، وجمع أموال داخل الدوام الرسمي، يتعارض مع لوائح وسياسات الانضباط السلوكي، خصوصاً أنه في حال تعثر منظم الجمعية أو أحد المشاركين من الموظفين في السداد يؤدي إلى توتر العلاقات، ويؤثر بالسلب في بيئة العمل، كما أن تداول اسم جهة العمل في الشكاوى والدعاوى القضائية يضر بسمعتها تجارياً ومجتمعياً، إضافة إلى محاولة بعض الموظفين إقحام جهة العمل في المشكلة وطلب خصم المبالغ المتأخرة لهم من راتب المشكو في حقه أو من مكافأة نهاية خدمته.
ورصدت «الإمارات اليوم» نظر محاكم الدولة العديد من القضايا الخاصة باستيلاء منسقي جمعيات شهرية على أموال المشتركين أو استلام مشتركين كامل المبلغ في الأدوار الأولى والتهرب من التزامهم بسداد باقي الاشتراك، من بينها دعوى أقامها موظف ضد زميلة له طالب فيها إلزامها بأن ترد له مبلغاً بقيمة 220 ألف درهم، بقية مستحقاته من جمعية شهرية نظمتها المدعى عليها بقسط شهري، مقداره 20 ألف درهم، ولمدة 20 شهراً بمجموع 400 ألف درهم، وعقب سداده لعدد 11 قسطاً، بواقع 20 ألف درهم شهرياً، بإجمالي 220 ألف درهم، تفاجأ بأن المشكو عليها أخذت أموال الجمعية من المشتركين، ولم تحوّلها لأصحاب الحق باستلامهم.
كما قضت محكمة أبوظبي للأسرة والدعاوى المدنية والإدارية، بإلزام امرأة بأن تؤدي لأخرى 42 ألف درهم قيمة أقساط «جمعية» حصلتها منها ولم تردّها في الموعد المتفق عليه، وفي دعوى ثالثة قضت المحكمة بإلزام امرأة دفع 20 ألف درهم لرجل، قيمة أقساط «جمعية» حصلتها منه، ولم تردّها في الموعد المتفق عليه، مشيراً إلى أن المدعى عليها لم تلتزم بسداد المبلغ المتفق عليه بقيمة 100 ألف درهم، عند موعد استحقاقه وماطلت في رد ما دفعه مسبقاً.
وألزمت المحكمة امرأة بأن تؤدي إلى أخرى مبلغ 65 ألف درهم، قيمة أقساط شهرية لـ«جمعية» اشتركت فيها وتوقفت عن السداد، كما قضت محكمة العين الابتدائية بإلزام امرأة بأن تدفع إلى رجل 320 ألف درهم بقية مستحقاته من جمعية تديرها وامتنعت عن تسليمه مستحقاتها في الموعد المحدد، حيث كان من المفترض أن يتسلم مبلغ 400 ألف درهم، إلا أنها لم تفِ بالتزامها تجاهه وسددت فقط 80 ألف درهم من قيمة الجمعية، وامتنعت عن دفع بقية المبالغ المستحقة له دون أي مبرر قانوني.
من جانبه، أوضح المحامي، سالم عبيد النقبي، أنه في ظل الضغوط الاقتصادية وتزايد الالتزامات المعيشية يلجأ عدد غير قليل من الأفراد إلى وسائل تمويل بديلة بعيداً عن القروض المصرفية، ومن أهمها ما يعرف بـ«الجمعيات المالية» التي تقوم على جمع مبالغ مالية شهرية من مجموعة من الأشخاص على أن يحصل كل مشترك على إجمالي المبلغ في موعد متفق عليه مسبقاً، ورغم شيوع هذه الممارسة وانتشارها في أوساط اجتماعية مختلفة إلا أنها تثير إشكاليات قانونية متعددة، خصوصاً في حال الإخلال بالالتزامات أو نشوء نزاعات بين المشاركين، مشيراً إلى أن الأنظمة القانونية التي تنظم التعاملات المالية بين الأفراد في دولة الإمارات، صارمة وواضحة ولا يجوز الاحتكام إلى آليات غير نظامية لجمع الأموال دون التقيد بالقانون.
وأكد، النقبي لـ«الإمارات اليوم»، على أن ما يعرف بـ(الجمعيات المالية) وإن بدت في ظاهرها وسيلة تعاونية لتخفيف الأعباء المالية إلا أنها قد تنطوي على مخاطر قانونية جسيمة في حال تنظيمها أو إدارتها خارج الأطر القانونية المعتمدة في دولة الإمارات، فجمع الأموال دون ترخيص أو الإخلال بالالتزامات المتفق عليها أو استغلال الأموال لحساب شخصي كلها أفعال تضع مرتكبيها تحت طائلة المساءلة المدنية والجزائية، ومن ثم فإن الوعي القانوني يعد خط الدفاع الأول لحماية الحقوق وتجنب النزاعات.
وقال: «جمع الأموال من الجمهور دون ترخيص إجراء غير قانوني ويعتبر جريمة مالية، خصوصاً أنه في مثل هذه الأنظمة لا يوجد إطار قانوني رسمي ينظم حقوق والتزامات المشاركين مثل العقود المصادق عليها لدى الجهات المختصة؛ ولذلك منظم الجمعية الذي يقوم بجمع الأموال من الآخرين يمكن تحميله مسؤولية إدارة الأموال بأمانة، وقد يواجه دعوى جنائية أو مدنية إذا أخل بالتزامه، أو استولى على الأموال وذلك لأن جمع المال وإدارته بدون ترخيص يعرضه للمساءلة القانونية.
وأضاف النقبي: «إذا استلم شخص نصيبه من الجمعية لكنه لم يستكمل الوفاء بمساهماته أو وُجد خلاف في التنفيذ فإن ذلك يعامل كخلاف مدني بين أطرافه ما لم يصدر في شأنه حكم جنائي يثبت الاحتيال أو سوء النية، ومع ذلك عدم وجود ترخيص يعرض الجميع للمساءلة القانونية فلا يعترف القانون بعقود غير قانونية»، مشيراً إلى أنه عند نشوب أي نزاع بين الأطراف في مثل هذه الحالة غير الرسمية يكون هناك احتكام إلى القضاء سواء المدني أو الجزائي.
وتابع: «إذا جمع شخص الأموال بدون ترخيص ثم استولى عليها لنفسه أو استخدمها لصالحه بغير وجه مشروع قد يحال إلى القضاء بتهمة الاحتيال المالي، أو جمع الأموال بصورة غير مشروعة وفقا لأحكام القانون الاتحادي في تنظيم التبرعات ما يؤدي إلى السجن والغرامة، إضافة إلى مصادرة الأموال المكتسبة بطريقة غير قانونية، إضافة إلى ذلك إذا وجد أن التصرفات تضمنت خداعاً متعمداً أو تزويراً في العقود أو استغلالاً لمساهمات الأفراد يمكن أيضاً توجيه تهم جزائية».
عقود غير قانونية
أكد المصرفيون: محمد شاذلي، ومحمد نديم، ومروة شاهين أن «الجمعيات المالية» تُعد وسيلة تمويل وادخار غير رسمية، وتوفّر سيولة نقدية للمشترك من دون فوائد، إلا أنها تتضمن العديد من المخاطر أبرزها مأمونية المسؤول عنها، وانتظام الأعضاء في تسديد التزاماتهم، وانسحاب البعض منها في منتصف المدة، إضافة إلى الخلافات حول ترتيب من سيحصل على المبلغ الكلي كل شهر، مشيرين إلى أن الجمعيات الشهرية تعتبر عادة متوارثة إلا أنها ليس لها غطاء قانوني يحميها، حتى ولو تمت كتابة عقود التزام بين منظم الجمعية والمشتركين، لتظل هذه العقود مخالفة لكون جمع الأموال يتم خارج النطاق المصرفي، إضافة إلى أن تخلف أي عضو عن السداد يحولها إلى قضية جنائية لعدم وجود جهة ضامنة لحق بقية المشتركين.
مصرفيون:
الجمعيات المالية وسيلة تمويل وادخار غير رسمية، توفّر سيولة نقدية للمشترك من دون فوائد، إلا أنها تتضمن مخاطر عدة أبرزها مأمونية المسؤول عنها.
• مشرف عمال نظّم جمعية مدتها 24 شهراً، واستولى لنفسه على إجمالي مبلغ الأدوار من الأول حتى الـ10 وهرب إلى بلده.
• معلمة نظمت جمعية أشركت فيها أشخاصاً من خارج المدرسة، ولم تستطع الوفاء بالتزاماتها، وحضر أكثر من مشترك للمدرسة للمطالبة بأموالهم.

