كشفت دراسة علمية حديثة نشرت في مجلة JCOM المتخصصة في التواصل العلمي أن الخوف الشائع من مادة الكيمياء في المدارس، المعروف باسم “الكيموفوبيا”، غالباً ما يكون ناتجاً عن أساليب التدريس والبيئات التعليمية، بدلاً من كونه مرتبطاً بطبيعة المادة الكيميائية نفسها. أفادت الدراسة، التي أعدها باحثون برازيليون من جامعة ساو باولو، بأن التعليم غير النظامي، مثل الزيارات إلى المتاحف والمراكز العلمية، يمكن أن يخفف بشكل كبير من هذا النفور المتزايد.
تعرف “الكيموفوبيا” بأنها خوف أو نفور مبالغ فيه تجاه المواد الكيميائية أو ما يوصف منها، رغم أن كل ما يحيط بنا تقريباً، بما في ذلك الماء والهواء والفيتامينات، هو في الواقع مركب كيميائي. يعود انتشار هذا المفهوم إلى ضعف الفهم العلمي، والربط الشائع بين كلمة “كيميائي” والسموم أو التلوث أو المخاطر الصناعية، بالإضافة إلى اعتقاد خاطئ بأن كل ما هو “طبيعي” آمن بالضرورة.
دور التعليم غير النظامي في مكافحة الكيموفوبيا
أوضحت الباحثة الرئيسية، أريانه كارولينا دا روشا، أن التصور السلبي للكيمياء، والذي يصورها كمادة خطرة أو معقدة أو بعيدة عن الحياة اليومية، يتشكل غالباً بسبب نقص المعلومات وأساليب التدريس التقليدية التي تركز على الحفظ بدلاً من التفاعل والتجريب. يجد العديد من الطلاب صعوبة في ربط المفاهيم الكيميائية المجردة، مثل الرموز والمعادلات، بواقعهم، مما يقلل من دافعيتهم لدراسة هذا التخصص.
استندت الدراسة إلى نظرية “التحديد الذاتي” في علم النفس، التي تشير إلى أن الدافعية تزداد عندما يشعر الطلاب بالاستقلالية، والكفاءة، والانتماء. وتؤكد هذه النظرية أن الطلاب يكونون أكثر تحفيزاً عندما تتاح لهم حرية الاختيار، ويشعرون بالقدرة على الفهم والإنجاز، ويتمتعون بعلاقات إيجابية مع محيطهم التعليمي.
ولتحقيق ذلك، أجريت الدراسة على طلاب المرحلة الثانوية في مدينة ساو كارلوس البرازيلية، وتم استكشاف تأثير الزيارات إلى معرض تفاعلي حول “عمليات الأكسدة المتقدمة”. هذه التقنيات الكيميائية، المستخدمة لمعالجة المركبات العضوية وتحويلها إلى مواد أقل ضرراً بطرق صديقة للبيئة، عرضت للطلاب من خلال نماذج مادية وشرح مبسط. وقد شارك أكثر من 250 طالباً في هذه التجربة التفاعلية.
أظهرت النتائج أن الطلاب الذين شاركوا في هذه الأنشطة التفاعلية أظهروا اهتماماً أكبر بالكيمياء وشعروا بزيادة في الكفاءة والثقة. كما ساهمت البيئة التفاعلية والترحيبية في تقليل التصورات السلبية تجاه المادة، مما يؤكد أن المشكلة تكمن في طريقة تقديم المحتوى وليس في المادة بحد ذاتها.
تتوافق هذه الاستنتاجات مع دراسات سابقة تؤكد أن التجارب العملية والتشاركية في المتاحف والمراكز العلمية تعزز التعلم العميق وتربط المعرفة بالسياقات الواقعية. ورغم أن الدراسة أقرت ببعض القيود، مثل عدم تتبع الأثر طويل المدى للدافعية، فإنها تسلط الضوء على أهمية دمج الكيمياء في مساحات التعليم غير النظامية.
تخلص الدراسة إلى أن تعزيز تواجد الكيمياء في المتاحف والمراكز العلمية، من خلال تصميم نماذج تفاعلية بسيطة وآمنة، يمكن أن يساهم في تغيير الصورة النمطية للمادة، ودعم دافعية الطلاب، خاصة القادمين من بيئات محدودة الفرص. فمن خلال منح الطلاب فرصة التفاعل والشعور بالكفاءة والانتماء، تتحول الكيمياء من مادة مخيفة إلى تجربة استكشاف ذات معنى، مما يعزز دور التواصل العلمي في دمقرطة المعرفة.
تفتح هذه النتائج الباب أمام إعادة التفكير في كيفية تقديم مادة الكيمياء، مع التركيز على أهمية الشرح المبسط والربط بالواقع، خصوصاً في سياق جهود تعزيز فهم العلوم لدى الجمهور. وتشير الدراسة إلى أن الخطوات التالية قد تتضمن تطوير نماذج تفاعلية مماثلة وتوسيع نطاق تطبيقها، مع الاستمرار في تقييم أثرها في تقليل “الكيموفوبيا” وزيادة الاهتمام بالعلوم.

