يُعد فيلم “القيمة العاطفية” (Sentimental Value) للمخرج النرويجي يواكيم ترير، وهو عمل سينمائي عميق يستكشف تعقيدات العلاقات الأسرية، من أبرز الأعمال المرشحة لتسع جوائز أوسكار أساسية، مما يضعه في دائرة الضوء السينمائية لعام 2025. يركز الفيلم بشكل أساسي على شخصية الأب “جوستاف”، مخرج سينمائي كبير، وبناته، في رحلة لم شمل عائلي تكتنفه الصدامات والصدمات النفسية.
تدور أحداث فيلم “القيمة العاطفية” حول جوستاف، الذي يعود لإخراج فيلمه الأخير بعد توقف دام 15 عامًا، مع رغبته في أن تلعب ابنته الكبرى، نورا، دور البطولة. في المقابل، تواجه نورا، التي تعاني من رهاب شديد، ضغوطًا للتغلب على خوفها والوقوف على خشبة المسرح لأداء دور “ميديا”. يتداخل هذان العنصران – المسكن والمسرح – لينسجا قصة عن لم الشمل العائلي العنيف، حيث تحمل العيون والنوافذ أسرارًا أكثر من الألسنة.
البحث عن قيمة أسرية في “القيمة العاطفية”
يندرج “القيمة العاطفية” ضمن موجة الأفلام التي تتناول بعمق مفهوم الأبوة. تتجسد هذه الظاهرة في العديد من الأفلام الرائدة لعام 2025، حيث تلعب شخصية الأب دورًا محوريًا في البناء الفكري والنفسي والمادي للأحداث. سواء كان ذلك في “فرانكنشتاين” أو “شاعر” أو “الأب الأم الأخت الأخ” أو “هامليت”، فإن سؤال الأبوة يظل حاضرًا بقوة، يتغير شكله ودرجة حدته، ولكنه لا يغيب.
في “القيمة العاطفية”، يمثل الأب سؤالًا وحدثًا وذاكرة. هو الأقدم في البيت والأكثر ارتباطًا به، رغم غيابه الطويل، كما تعبر عنه الراوية بقولها: “كان البيت يفتقد صوت الأب”. يضيف ترير صوت الراوية كجزء من أصوات الفيلم، ليكتمل السرد من خلال روايات الأب وابنتيه، ولكن صوت الراوية يشبه صوت البيت نفسه، شاهدًا على تعاقب الأجيال.
يمثل البيت مجازًا لحياة نورا الخالية من الرجال بطريقة سليمة. على الرغم من علاقتها بزميل لها في المسرح، إلا أن تفاعلاتها تعكس موقفًا تجاه الرجال بشكل عام. يترجم الفيلم هذا الموقف لغويًا على لسان الأب، الذي يصف ابنته بأنها “امرأة غاضبة يصعب عليها العثور على الحب”.
من العناصر المثيرة للاهتمام في الفيلم، لعبة الكراسي الموسيقية السينمائية، حيث يحاول الأب استبدال الابنة نورا بابنة أخرى في فيلمه، مغريًا الممثلة الهوليوودية الشابة كيم ريتشيل بلعب دور البطولة المستوحى من شخصية والدته التي انتحرت.
خطأ الأب: مواجهة الماضي والمصالحة
تواجه نورا هذا التحدي، وتدرك لاحقًا أن كيم كانت مجرد حافز لإعادة لم شمل جوستاف مع بناته. تنسحب كيم، وينتهي الفيلم بنورا وهي تدخل إلى ديكور البيت العائلي، وتجلس المكان الذي كانت عليه والدتها، لتغلق الباب خلفها. هذا المشهد يؤكد نجاح لعبة الكراسي الموسيقية، حيث جلست نورا على المقعد الذي سبق وأن جلست عليه كيم، وقبلها الأم للانتحار.
يأتي قرار نورا بعد تراكم المشاهد العاطفية، لا سيما في الجلسة العائلية الأخيرة قبل دخول الأب المستشفى، حيث يعبر جوستاف بقلق وجودي: “كالعادة، كل خطأ يلقى على الأب”. هذه الجملة تلخص جانبًا من سؤال الأبوة في الفيلم، وهو تساؤل استنكاري وغاضب، وكأن لسان حاله يقول: “لماذا كل خطأ يلقى على الأب؟”.
لا يدافع الفيلم عن صورة الأب، بل يحاكمه ككيان مستقل له ميزاته وعيوبه وطموحاته. لا تُقدم أسباب واضحة لمغادرة الأب للبيت، سوى ذكريات تحكيها نورا أو صوت الراوية عن لسان حال البيت.
من جماليات الفيلم، أنسنة البيت، بصريًا في افتتاحية الفيلم حيث تبدو النوافذ كعيون واسعة، كما في فيلم ديزني الكلاسيكي “المنزل الوحيد”. تستمر هذه الأنسنة حتى النهاية، حيث يعبر نورا عن شعور البيت كروح حية، ولوحة تعكس صراع العائلة.
القيمة العاطفية: هدف وجودي
يحمل عنوان الفيلم “القيمة العاطفية” دلالات واسعة، تفيد إعلاء شأن التجريد وإسقاط المعاني على سياقات وصراعات وأفكار متعددة. البيت، العلاقات الأسرية، الفيلم الأخير لجوستاف، وحتى الحزن والفقدان، كلها تحمل قيمة عاطفية.
تختتم هذه التجربة العميقة بالقول إن الحياة لا يمكن أن تستمر دون قيم عاطفية، وأن هذه القيم هي هدف في حد ذاته، يجب السعي لتحقيقه. ربما لو ارتبطت أم جوستاف بقيمة عاطفية واحدة، لما أقدمت على الانتحار.
يتساءل الفيلم: لماذا انتحرت الأم ولديها طفل؟ يجيب جوستاف بأن هذا هو سؤال الفيلم. ربما أراد جوستاف من استدعاء واقعة انتحار والدته إلى السيناريو، أن يتصالح معها، وأن يعبر عن حبه لبناته، الذي ربما فشل في إيصاله بشكل واضح.
تجربة ترير السينمائية، ببساطتها الظاهرية، تستدعي عدة مشاهدات وقراءات، اجتماعية ونفسية وفكرية. تجعل من عام 2025 عامًا سينمائيًا مميزًا، يعكس البحث عن الدفء، مواجهة الخذلان، وضرورة البوح بما يثقل الروح.

