أشعل مسلسل “القيصر.. لا مكان لا زمان” جدلاً واسعاً في الأوساط السورية مع انطلاق حلقاته الأولى ضمن موسم دراما رمضان 2026. لم يقتصر الجدل على التقييم الفني، بل امتد ليشمل مواجهات حقوقية وأخلاقية حول “حدود تمثيل الألم” وحق الضحايا وعائلات المعتقلين والمغيبين قسراً في امتلاك سرديتهم، خاصة وأن ملفات الاعتقال والانتهاكات ما تزال مفتوحة.
تدور أحداث المسلسل، الذي يؤلفه مؤيد النابلسي ونجيب نصير ويخرجه صفوان نعمر، ويلعب بطولته نجوم مثل غسان مسعود وسلوم حداد، حول جزء من أرشيف أدلة استخدمته منظمات حقوقية دولية لتوصيف أنماط التعذيب والوفاة في الاحتجاز داخل سوريا خلال فترة حكم بشار الأسد. اسم المسلسل “القيصر” يرتبط بملف صور مسربة وثقت آلاف الجثث في مرافق احتجاز.
الجدل الحقوقي والأخلاقي حول مسلسل “القيصر”
أصدرت “رابطة عائلات قيصر” بياناً شديد اللهجة، رفضت فيه ما وصفته بتحويل مأساة الضحايا إلى مادة ترفيهية أو “سيناريوهات تجارية”. أعلنت الرابطة موقفاً يقوم على “الرفض والمقاطعة” لأي عمل درامي يتناول قضية المعتقلين قبل “كشف الحقائق كاملة”، وتحديد أماكن الدفن، وتسليم الرفات لأهالي الضحايا، مؤكدة أن “الحقيقة والعدالة تسبقان الدراما”.
شكك البيان في “الأهلية الأخلاقية” لبعض المشاركين في تجسيد قصص الضحايا، محذراً من أن إعادة تقديم الألم ضمن قالب درامي قد تتحول إلى استثمار يطمس الوجوه ويعيد إنتاج الروايات على حساب حقوق العائلات. شددت الرابطة على أن “قصص أبنائنا أمانة تاريخية” لا تباع في سوق الإنتاج التلفزيوني، وأن العدالة تطلب في المحاكم لا في الاستوديوهات.
في المقابل، ترى أصوات داعمة للعمل أن الدراما قد تكون مساحة لقول ما تعجز عنه المؤسسات والسياسة. يعتبرون أن تأجيل السرد إلى حين اكتمال المسارات القضائية قد يعني “صمتاً طويلاً” لا يحتمله الضحايا ولا المجتمع، وأن إبقاء الذاكرة حية عبر الفن يمكن أن يدفع النقاش العام نحو المساءلة بدل ترك الملف طي النسيان. هؤلاء يرون أن الدراما حول معاناة المعتقلين السوريين هي وسيلة للحفاظ على الذاكرة الحية.
لم يقتصر الجدل على مضمون العمل وحده، بل اتسع ليطال أسماء مشاركة وخيارات فنية وإنتاجية، مع تساؤلات حول خلفيات بعض العاملين فيه ومواقفهم السابقة. كانت هذه النقاط حاضرة أيضاً في تغطيات الصحافة السورية المعارضة، التي تناولت دعوات المقاطعة ومطالب وقف العرض. الآراء انقسمت حول التوقيت المناسب لعرض مثل هذه الأعمال الدرامية الحساسة.
زادت أغنية المسلسل “من كم سنة” بصوت أصالة نصري من اتساع النقاش، حيث حققت تفاعلاً لافتاً. رأى البعض أنها لامست أوجاع عائلات ما تزال تنتظر أي خبر عن مصير أبنائها، بينما تعامل آخرون مع الأغنية بوصفها “مدخلاً إنسانياً” للعمل، ورأى آخرون أنها قد تستخدم لتخفيف الاعتراضات على توقيت العرض وحساسية الموضوع. موسيقى وأغاني المسلسلات غالباً ما تلعب دوراً في تشكيل الرأي العام.
بينما تتواصل دعوات حقوقية سورية لوقف المسلسل أو إعادة النظر في آليات إنتاجه وتمثيله للضحايا، يذهب آخرون إلى أن الجدل نفسه يكشف هشاشة “الذاكرة السياسية” في المجال العام. أي عمل يتناول سنوات الاعتقال سيبقى محكوماً بتوتر دائم بين مطلب العدالة ومطلب السرد، وبين حق الضحايا في الحماية من “تسليع الألم” وحق المجتمع في ألا تطوى القصة قبل أن تروى. ملفات المعتقلين السوريين لا تزال قضية شائكة.
من المتوقع أن يستمر الجدل حول مسلسل “القيصر” في الأوساط السورية، مع ترقب ردود الأفعال تجاه الدعوات الحقوقية المطالبة بوقفه أو إعادة النظر في آليات إنتاجه. سيبقى النقاش مفتوحاً حول الحدود الأخلاقية لتمثيل المعاناة ودور الدراما في قضايا العدالة والمحاسبة، خاصة وأن المطالبات بتقديم الضحايا وعائلاتهم أولاً ما زالت عالية. لم يتم تحديد أي خطوات مستقبلية للرابطة أو لجهات الإنتاج.

