دراسة تكشف: خطر المضاعفات القلبية أعلى لدى النساء عند مستويات تراكم شرياني أقل
كشفت دراسة علمية حديثة عن وجود تباين كبير في خطر المضاعفات القلبية بين الجنسين، حيث أشارت النتائج إلى أن النساء قد يواجهن خطراً مرتفعاً للإصابة بأحداث قلبية وعائية كبرى حتى مع وجود مستويات أقل من التراكم الشرياني (اللويحات الدهنية) مقارنة بالرجال. ويُعد مرض الشريان التاجي السبب الرئيسي للوفاة عالمياً، ويحدث نتيجة لتراكم هذه اللويحات داخل الشرايين المغذية للقلب، مما يؤدي إلى تضييقها وانسدادها، وبالتالي زيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والوفاة.
وحللت الدراسة، التي نُشرت في دورية “Circulation”، بيانات ما يقرب من 4300 مريض ومريضة يعانون من ألم في الصدر دون تاريخ مرضي معروف لأمراض الشريان التاجي. هدفت الدراسة إلى فهم العلاقة بين حجم اللويحات في الشرايين التاجية وخطر ما يُعرف بالأحداث القلبية الوعائية الكبرى، والتي تشمل الوفاة، أو النوبة القلبية، أو الحاجة إلى دخول المستشفى بسبب ألم صدري غير مستقر.
تتكون اللويحات التاجية من الكوليسترول، والدهون، والكالسيوم، ومركبات أخرى تتراكم تدريجياً داخل جدار الشريان. بمرور الوقت، يمكن لهذه التراكمات أن تضيق مجرى الدم، أو أن تتمزق، مما يؤدي إلى تكون جلطة مفاجئة.
لماذا قد تكون النساء أكثر حساسية لعبء لويحات أقل؟
لا تقدم الدراسة تفسيراً نهائياً للآلية البيولوجية الكامنة وراء هذا الاختلاف، لكنها تطرح عدة فرضيات علمية محتملة. من بين هذه الفرضيات، تُشير الدراسات إلى وجود اختلافات هرمونية بين الجنسين قد تؤثر على بنية جدار الشرايين واستجابته للالتهاب. كما قد تلعب فروق في قُطر الشرايين التاجية ووظيفتها الميكرووعائية دوراً، بالإضافة إلى اختلافات محتملة في التفاعل بين اللويحات وتخثر الدم. ويُحتمل أيضاً وجود أنماط مرضية أدق لدى النساء لا تقاس بالكامل بالمؤشرات التقليدية.
غالباً ما تمتلك النساء حجماً كلياً أقل من اللويحات مقارنة بالرجال، وتختلف طبيعة هذه اللويحات أيضاً؛ حيث توجد لويحات مستقرة تكون أكثر صلابة وغنية بالكالسيوم، ولويحات أخرى عالية الخطورة تكون أكثر ليونة وغنية بالدهون، ويعتقد أنها أكثر عرضة للتمزق.
اعتمد الباحثون على بيانات دراسة واسعة النطاق أُجريت في 193 مركزاً في أميركا الشمالية، واستخدموا تقنية التصوير المقطعي المحوسب للشرايين التاجية، وهي وسيلة متقدمة تسمح برؤية دقيقة لجدار الشريان وتقدير كمية اللويحات داخله.
لم يقتصر التحليل على قياس الحجم الكلي للويحات، بل شمل أيضاً حساب “عبء اللويحات الكلي”، وهو مقياس يربط كمية اللويحات بحجم الوعاء الدموي نفسه. يتيح هذا التقييم الأكثر دقة الأخذ في الاعتبار اختلاف أحجام الشرايين بين الأفراد. كما قام الباحثون بتصنيف أنواع اللويحات إلى مستقرة وعالية الخطورة، وتابعوا المشاركين لمدة متوسطة بلغت 26 شهراً لرصد حدوث أي مضاعفات قلبية كبرى.
فارق حاسم في تقييم المخاطر
على الرغم من أن النساء في الدراسة امتلكن حجماً وسطياً أقل من اللويحات مقارنة بالرجال، إلا أن معدل الأحداث القلبية الكبرى كان متشابهاً بين الجنسين خلال فترة المتابعة. وعند تحليل “عبء اللويحات” المعدل بحسب حجم الشريان، تبيّن أن القيم الوسيطة كانت متقاربة بين النساء والرجال. لكن الفارق الحاسم ظهر عند تحديد النقطة التي يبدأ عندها ارتفاع خطر المضاعفات، حيث لوحظ أن خطر الأحداث القلبية الكبرى لدى النساء يبدأ عند عبء لويحات يقارب 20%، بينما لا يبدأ الخطر بالارتفاع لدى الرجال إلا عند نحو 28%.
والأهم من ذلك، أن منحنى الخطر لدى النساء كان أكثر انحداراً عند المستويات المنخفضة من عبء اللويحات، مما يعني أن زيادة بسيطة نسبياً في التراكم قد تترجم إلى قفزة أكبر في احتمال حدوث مضاعفات.
في المقابل، كان ارتفاع الخطر لدى الرجال أكثر تدريجية، ويتطلب مستويات أعلى من اللويحات للوصول إلى معدلات مماثلة من الخطورة. هذا الاختلاف استمر حتى بعد ضبط النتائج لعوامل الخطر التقليدية مثل ارتفاع ضغط الدم، والسكري، والتدخين، وكذلك بعد أخذ خصائص اللويحات عالية الخطورة بعين الاعتبار.
تشير هذه النتائج إلى أن استخدام عتبات موحدة لتحديد “الخطورة العالية”، بناءً على مقاييس اللويحات، قد يؤدي إلى التقليل من تقدير خطر النساء. فإذا كانت المرأة تصل إلى مستوى خطر مرتفع عند عبء أقل من اللويحات، فإن الاعتماد على نفس الحدود الرقمية المستخدمة للرجال قد يحرمها من تدخلات وقائية مبكرة. يطرح الباحثون ضرورة دمج عامل الجنس، وربما العمر أيضاً، في تفسير نتائج تصوير الشرايين التاجية، بما يتيح تقييماً أكثر تخصيصاً ودقة للمخاطر القلبية.
تأتي هذه الدراسة في سياق متزايد من الأبحاث التي تؤكد أن أمراض القلب ليست متطابقة بيولوجياً بين النساء والرجال، وأن تجاهل الفروق بين الجنسين قد يؤدي إلى فجوات في التشخيص والعلاج. قد تمثل هذه النتائج خطوة مهمة نحو تطوير نماذج تقييم مخاطر أكثر دقة، تعتمد على تحليل فردي يأخذ في الحسبان الخصائص التشريحية والبيولوجية، بدلاً من تطبيق معايير عامة.
ستدفع هذه النتائج إلى مزيد من الأبحاث لدراسة الآليات البيولوجية الدقيقة وراء هذه الاختلافات، كما قد تؤدي إلى مراجعة إرشادات التشخيص والعلاج الحالية لضمان حصول النساء على الرعاية المناسبة.

