تتجه المملكة العربية السعودية بخطوات متسارعة نحو ترسيخ مكانتها كمركز عالمي لصناعة السينما، وفي هذا السياق، أعلن “فيلم العلا” عن مرحلة تشغيلية جديدة لاستوديوهاته، بالشراكة مع شركة Manhattan Beach Studios الرائدة عالميًا في تشغيل الاستوديوهات. يأتي هذا التعاون في ظل الزخم المتزايد الذي يشهده قطاع صناعة الأفلام السعودي، خاصة في محافظة العلا، التي تحتضن أقدم مواقع المملكة المدرجة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي.
يقود زيد شاكر، المدير التنفيذي بالإنابة لـ “فيلم العلا”، هذه المبادرة التي تهدف إلى دعم إنتاج الأفلام والمسلسلات في المنطقة. وتضم استوديوهات العلا منصتي تصوير حديثتين بمساحة 26 ألف قدم مربعة، بالإضافة إلى موقع تصوير خارجي واسع تتجاوز مساحته 61 ألف قدم مربعة. كما تلعب “فيلم العلا” دورًا محوريًا كحلقة وصل لتسهيل الحصول على التصاريح وتقديم الحوافز الداعمة.
شراكة استراتيجية مع Manhattan Beach Studios
أكد زيد شاكر في حديث لـ “الشرق” أن الشراكة مع Manhattan Beach Studios تمثل قيمة مضافة استراتيجية كبيرة، سواء على الصعيد التشغيلي أو التقني. وأوضح أن الشركة الأمريكية تُعد “الأولى عالميًا في إدارة الاستوديوهات ومراحل التصوير المغلقة”، وهو ما يمنح “فيلم العلا” مصداقية عالمية فورية.
وأضاف شاكر أن وجود مشغل عالمي بهذا الثقل يساهم بشكل كبير في تسهيل المفاوضات وجذب الإنتاجات العالمية، مشيرًا إلى أن ذكر اسم Manhattan Beach Studios ينهي العديد من النقاشات لصالحهم نظرًا لسمعتها المرموقة وتجارب المنتجين السابقين معها. تدير الشركة حاليًا أكثر من 600 ستوديو تصوير في الولايات المتحدة وأمريكا الشمالية، وتمتلك معرفة عميقة بحركة الإنتاج في السوق، مما يمنح “فيلم العلا” ميزة استباقية في تحديد المشاريع القادمة والمحتملة.
ويتم تنسيق الجهود بشكل شهري بين الطرفين، ويشمل ذلك اجتماعات تسويقية مشتركة لوضع استراتيجيات استقطاب الإنتاجات المقبلة وتحديد المشاريع التي يتم الترويج لها بشكل مباشر. هذا التعاون يهدف إلى تعزيز مكانة العلا كوجهة مفضلة لشركات الإنتاج العالمية.
العلا كبوابة للمنطقة ودعم الإنتاج المحلي
وأشار شاكر إلى أن دخول Manhattan Beach Studios إلى المنطقة يأتي في سياق التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة ضمن رؤية 2030، وأن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باتت سوقًا ناشئة بقوة في صناعة الشاشة. جاء اختيار العلا كخيار منطقي للشركة نظرًا للبنية التحتية الحديثة للاستوديوهات المصممة وفقًا للمعايير العالمية، بالإضافة إلى الموقع الفريد للعلا كوجهة تصوير طبيعية.
وأكد شاكر على أن دعم الإنتاج المحلي ليس خيارًا ثانويًا، بل هو “عنصر أساسي في بناء صناعة مستدامة”، مستشهدًا بنجاح عدد من الأفلام السعودية التي تم تصويرها في العلا مثل “نورة” و”هجرة”. وتكمن آلية التأثير غير المباشر للإنتاجات الدولية في خلق طواقم عمل محلية، ونقل الخبرات، وتوسيع قاعدة الكفاءات الوطنية.
“فيلم العلا” لا تكتفي بتنظيم برامج تدريبية، بل تعتمد نظام تتبع مهني مستدام لإنشاء قاعدة بيانات للمتدربين ومتابعة مساراتهم المهنية بعد التدريب، بهدف إدخال الكفاءات إلى الصناعة وبناء اقتصاد مستدام. ويتوقع أن يشهد عام 2026 ما بين 6 إلى 7 إنتاجات متنوعة (دولية، إقليمية، ومحلية)، مع إمكانية استخدام بعض المشاريع للاستوديوهات بالكامل أو التركيز على التصوير الخارجي. ويتمثل أحد الأهداف الاستراتيجية في استقطاب مسلسلات تلفزيونية ضخمة متعددة المواسم، مما يوفر استقرارًا تشغيليًا طويل الأمد.
تحسين العمليات التشغيلية وتعزيز الحضور العالمي
يتم التركيز حاليًا على تحسين العمليات التشغيلية وتعظيم الاستفادة من الأصول القائمة، بدلًا من التوسع في المساحات. تشهد المرافق نشاطًا متزايدًا استعدادًا لإنتاجات جديدة. وتعد مشاركة “فيلم العلا” في مهرجان برلين السينمائي الدولي جزءًا من “تحرك استراتيجي أساسي” لبناء علاقات مع المنتجين العالميين. يحظى مهرجان كان السينمائي بأولوية أكبر، بينما يمثل مهرجان فينيسيا السينمائي منصة مهمة للمشاركة وفق استراتيجية محددة.
تُعتبر المرحلة الحالية مرحلة “ترسيخ وتشغيل مكثف”، مع التركيز على جذب الإنتاجات وتعزيز حضور العلا كوجهة تصوير عالمية. الهدف هو إبقاء عجلة التشغيل مستمرة، وجعل العلا نقطة جذب دائمة للإنتاجات العالمية والإقليمية والمحلية.
إنتاجات واعدة وطبيعة جغرافية فريدة
شهدت العلا تصوير فيلم “Chasing Red”، وهو أول فيلم روائي طويل يُصور في استوديوهات العلا الجديدة ضمن الشراكة مع Stampede Ventures. الفيلم، المقتبس عن رواية حققت نجاحًا كبيرًا، يركز على قصة حب بين طالبة جامعية وشاب غير تقليدي. المنتج التنفيذي جريج سيلفرستون كشف عن اتفاقية إنتاجية متعددة الأفلام مع “فيلم العلا”، تمتد لعشرة مشاريع، تستفيد من برنامج الحوافز والاسترداد النقدي.
وتهدف هذه الشراكة إلى بناء منظومة إنتاجية مستدامة، وتدريب الكوادر المحلية، وخلق أثر طويل الأمد على الصناعة. تم اختيار العلا كموقع للتصوير بناءً على ثلاثة عناصر رئيسية: الاستوديوهات المجهزة تقنيًا، برنامج الحوافز المالية، والطبيعة الجغرافية الفريدة التي تتيح محاكاة بيئات متعددة. وعلى الرغم من وجود تحديات لوجستية، فإن التخطيط المسبق يعتبر عنصرًا حاسمًا، مع سعي مستمر لتوسيع قاعدة الكوادر المحلية.
وتعكس هذه الجهود استمرار الحراك الإنتاجي في العلا، وسعي المنطقة لترسيخ موقعها كوجهة تصوير دولية، مستفيدة من الحوافز التنافسية، وتوسع البنية التحتية، والانفتاح على شراكات عالمية.

