كشفت دراسة علمية حديثة أجراها باحثون من جامعة هارفارد عن تأثيرات عميقة ومستمرة لجائحة كوفيد-19 على مهارات “الوظائف التنفيذية” لدى الأطفال. تشمل هذه المهارات الأساسية القدرة على التركيز، وضبط النفس، والتخطيط، واتخاذ القرارات، وتلعب دوراً محورياً في النجاح الأكاديمي والصحة النفسية.
استندت الدراسة، التي نشرت نتائجها بين عامي 2018 و2023 كجزء من مشروع “دراسة التعلم المبكر في هارفارد”، إلى بيانات موسعة جمعت من أكثر من 3100 طفل في ولاية ماساتشوستس تتراوح أعمارهم بين 3 و11 عاماً. تم تقييم مهارات الوظائف التنفيذية باستخدام “مقياس مينيسوتا للوظائف التنفيذية”، وهو اختبار رقمي عبر الأجهزة اللوحية.
تباطؤ نمو مهارات الوظائف التنفيذية بعد الجائحة
أظهرت النتائج تباطؤاً ملحوظاً في معدل نمو مهارات الوظائف التنفيذية لدى الأطفال بعد بداية الجائحة، مقارنة بالمعدلات الطبيعية المتوقعة. هذا التراجع كان واسع النطاق، حيث لوحظ عبر جميع الفئات الاجتماعية والاقتصادية، مما يشير إلى تأثير شامل للجائحة على تطور هذه القدرات العقلية الحيوية، بما في ذلك القدرة على التركيز.
وأكد الباحثون أن حجم هذا التراجع كان مفاجئاً، حيث سجل الأطفال مستويات أقل بكثير من المتوسط الوطني المتوقع مقارنة بأقرانهم قبل الجائحة. وتشير البيانات إلى أن الأطفال الذين كانوا قبل الجائحة يحققون نتائج طبيعية أو حتى أعلى من المتوسط، عانوا من تراجع في مهاراتهم التنفيذية.
يعزو فريق الدراسة هذا التراجع إلى مجموعة من العوامل المرتبطة بالجائحة، مثل الضغوط النفسية على الأسر، وفقدان الاستقرار الاقتصادي، وإغلاق المدارس، والتحول إلى التعليم عن بعد، بالإضافة إلى العزلة الاجتماعية التي قللت من تفاعل الأطفال مع أقرانهم ومعلميهم. هذه العوامل معروفة بتأثيرها المباشر على تطور الوظائف التنفيذية.
ومن الملاحظات الهامة الأخرى للدراسة، هو تقلص الفجوة التقليدية في هذه المهارات بين الأطفال من خلفيات اقتصادية مختلفة خلال الجائحة. لم يكن هذا نتيجة لتحسن لدى الفئات الأقل دخلاً، بل نتيجة لتراجع عام شمل جميع الأطفال، مما يعكس الطبيعة الواسعة لتأثير الأزمة على الصحة النفسية للأطفال.
وتساعد هذه النتائج في تفسير الارتفاع الملحوظ في التحديات الأكاديمية والسلوكية التي يواجهها الأطفال بعد الجائحة، مثل صعوبات التركيز، وزيادة السلوكيات الاندفاعية، وتراجع الأداء الدراسي، مما يؤكد أهمية التركيز على تنمية مهارات الوظائف التنفيذية.
ودعا فريق البحث إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لدعم الأطفال، من خلال تعزيز البرامج التعليمية التي تركز على تنمية مهارات الوظائف التنفيذية، وتوفير بيئات تعليمية داعمة، إلى جانب تقديم دعم نفسي واجتماعي للأسر. كما شددوا على أهمية إدراج هذه المهارات ضمن أولويات السياسات التعليمية وخطط التعافي من آثار الجائحة.
وفي سياق البحث المستقبلي، أكد الباحثون الحاجة إلى دراسات إضافية لفهم الآليات الدقيقة التي تربط بين تجارب الجائحة وتراجع هذه المهارات، وكذلك لتطوير تدخلات فعالة تساعد الأطفال على استعادة مسارهم التنموي الطبيعي. تسلط هذه الدراسة الضوء على أن تداعيات جائحة كوفيد-19 لم تقتصر على الجانب الصحي، بل امتدت لتؤثر بشكل عميق على نمو الأطفال، ما يتطلب استجابة شاملة وطويلة الأمد لمعالجة آثارها وضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

