كشفت دراسة حديثة نشرت في دورية Immunity عن دور أساسي لخلايا مناعية متخصصة في تنظيم ضغط العين، وهو العامل الرئيسي في تلف العصب البصري وتطور مرض المياه الزرقاء أو الجلوكوما، أحد الأسباب الأكثر شيوعاً للعمى على مستوى العالم. أجريت هذه الدراسة الهامة في مركز جامعة ديوك الطبي بالولايات المتحدة، وسعت لفهم الآليات الدقيقة التي تتحكم في توازن السوائل داخل العين، لا سيما في الحالات التي تفشل فيها العلاجات التقليدية في منع تدهور الرؤية.
تُعرف الجلوكوما بأنها مجموعة من الأمراض المزمنة التي تصيب العين وتؤدي إلى تلف تدريجي في العصب البصري، المسؤول عن نقل الإشارات البصرية إلى الدماغ. غالباً ما يرتبط هذا التلف بارتفاع ضغط العين، الناتج عن خلل في تصريف السائل الداخلي، مما يؤدي إلى تراكمه وزيادة الضغط الذي يؤثر سلباً على صحة العين.
دور الخلايا المناعية في تنظيم ضغط العين
تكمن خطورة الجلوكوما في تطورها البطيء ودون أعراض واضحة في مراحلها المبكرة، مما أكسبها لقب “السارق الصامت للبصر”. وإذا لم تعالج، يمكن أن تؤدي إلى فقدان دائم للبصر. وعلى الرغم من توفر علاجات تهدف إلى خفض ضغط العين، إلا أنها لا تعالج السبب الجذري للمرض في جميع الحالات، مما يجعل الاكتشافات العلمية الجديدة في هذا المجال ذات أهمية قصوى.
في هذا السياق، أوضحت المؤلفة الرئيسية للدراسة، كاتي ليو، الأستاذة المساعدة في قسم طب العيون بكلية الطب في جامعة ديوك، أن الطريقة الوحيدة المتاحة لعلاج الجلوكوما حالياً هي خفض ضغط العين، ومع ذلك لا يزال بعض المرضى يفقدون بصرهم رغم تلقي العلاج. وأكدت أن هذه الدراسة تسهم في فهم دور الجهاز المناعي في تنظيم هذا الضغط.
ركز الباحثون على نوع من الخلايا المناعية يعرف باسم “الماكروفاج المقيمة”، وهي خلايا تعيش داخل أنسجة تصريف العين. وحتى وقت قريب، لم يكن معروفاً أن لهذه الخلايا دوراً في التحكم بضغط العين. استخدم الفريق البحثي نماذج من الفئران مع خلايا لتتبع “الماكروفاج” داخل العين. وعندما قاموا بإزالة هذه الخلايا بشكل انتقائي، لاحظوا أن نظام تصريف العين أصبح مسدوداً، ما أدى إلى تراكم السوائل وارتفاع ضغط العين بشكل واضح.
وأكدت ليو أن هذه النتائج تظهر أن الماكروفاج المقيمة ضرورية للحفاظ على ضغط صحي داخل العين، وأن تعطل هذا النظام قد يساهم مباشرة في تطور الجلوكوما.
آفاق جديدة لعلاج الجلوكوما
تفتح هذه النتائج آفاقاً جديدة لتطوير علاجات مستقبلية تستهدف السبب الجذري للمرض، بدلاً من الاكتفاء بعلاج أعراضه. وأوضح المؤلف المشارك في الدراسة، دانيال ستامر، الأستاذ في طب العيون بجامعة ديوك، أن هذا الاكتشاف يوفر هدفاً محدداً لتطوير علاجات يمكنها إعادة ضغط العين إلى مستواه الطبيعي ومنع فقدان البصر، بخلاف الأدوية الحالية التي لا تستهدف مصدر المرض بشكل مباشر.
تتمثل الخطوة التالية في البحث في وجود هذه الخلايا ووظيفتها داخل أنسجة العين البشرية، تمهيداً لترجمة هذه النتائج إلى تطبيقات علاجية سريرية. بهذا الاكتشاف، يمثل هذا تقدماً كبيراً في فهم مساهمة الجهاز المناعي في تنظيم ضغط العين، وخطوة مهمة نحو إعادة تعريف فهم الجلوكوما، إذ يسلط الضوء على دور غير متوقع للجهاز المناعي في الحفاظ على توازن ضغط العين.

