كشفت دراسة علمية حديثة أجراها باحثون من كلية “دارتموث” الأميركية عن تطوير إطار رياضي مبتكر، يرسم “خريطة معرفية” دقيقة لمستوى فهم الطالب، اعتماداً على أدائه في اختبارات قصيرة من نوع الاختيار من متعدد. وتشير النتائج، المنشورة في دورية Nature Communications، إلى أن هذه التقنية قد تمهد الطريق لتطوير جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التعليمية، القادرة على تقديم تعليم مخصص لكل طالب.
تنطلق فكرة الدراسة من مبدأ أساسي في التعلم، وهو أن المعرفة لا تتكون بشكل منفصل، بل تتشابك في شبكة معقدة من المفاهيم المرتبطة ببعضها. وبناء على ذلك، طور الباحثون طريقة رياضية تحول نتائج الاختبارات التقليدية إلى “خريطة تضاريس معرفية”، توضح بدقة نقاط القوة لدى الطالب، وكذلك مواضع الضعف التي تحتاج إلى دعم.
تحليل مستوى المعرفة
ويوضح الأستاذ المشارك في علوم النفس والدماغ بكلية “دارتموث”، جيريمي مانينج، أن التقييمات التقليدية تعاني من قصور في فهم ما يعرفه الطالب فعلياً. وأوضح أن نسبة النجاح وحدها لا تعطي صورة كاملة عن طبيعة الفهم، فقد يكون الطالب أتقن جزءاً جيداً أو فهم الأجزاء بشكل جزئي.
ويضيف مانينج أن الإطار الجديد يعتمد على فكرة انتشار المعرفة تدريجياً عبر المفاهيم المترابطة، حيث يزيد فهم مفهوم من احتمالية فهم المفاهيم القريبة منه. ولتحقيق ذلك، استخدم الباحثون نماذج “تمثيل النصوص”، وهي نماذج مشابهة لتلك المستخدمة في أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة، لتحويل المفاهيم إلى نقاط داخل فضاء رياضي.
في هذا الفضاء، يتم تمثيل كل مفهوم بإحداثيات محددة، بحيث تكون المفاهيم المتشابهة قريبة من بعضها. ومن خلال ربط كل سؤال في الاختبار بموقعه داخل هذه الخريطة، يمكن استنتاج مستوى معرفة الطالب.
ويؤكد “مانينج” أن الهدف لم يكن فقط تحسين الاختبارات، بل اختبار فرضية علمية أعمق حول كيفية تنظيم المعرفة البشرية وتأثير ذلك على التعلم.
ولاختبار هذا الإطار، قام الباحثون بدراسة على 50 طالباً جامعياً، حيث تم تحليل مستوى معرفتهم قبل وبعد مشاهدة محاضرتين في الفيزياء. وأظهرت النتائج أن الخرائط المعرفية استطاعت تتبع تطور فهم الطلاب بدقة والتنبؤ بالأسئلة التي سيجيبون عليها بشكل صحيح.
كما أظهرت الخرائط ثلاثية الأبعاد أن فهم الطلاب تركز حول موضوعات المحاضرات، مع تحسن ملحوظ في الفهم العام للفيزياء بعد المحاضرة الثانية. ويعكس ذلك قدرة الأداة على رصد التغيرات في المعرفة بمرور الوقت.
محاكاة طريقة تفكير المعلم
من جانبه، يوضح الباحث المشارك في الدراسة، أندرو هيوسر، أن هذه التقنية تحاكي طريقة تفكير المعلمين عند شرح المفاهيم، حيث يعتمد المعلم الجيد على “خريطة ذهنية” لفهم الطالب لربط المعلومات الجديدة بما يعرفه بالفعل.
ويضيف هيوسر أنهم يحاولون تحويل هذه العملية الذهنية المعقدة إلى نموذج رياضي يمكنه محاكاة هذا الفهم آلياً. ويرى الباحثون أن هذه التقنية قد تفتح الباب أمام تطوير أنظمة تعليمية أكثر ذكاء، خاصة في ظل التوسع في التعليم الإلكتروني.
ويشير الباحث الرئيسي في الدراسة، باكستون فيتزباتريك، إلى أن تقديم توجيه مخصص للطلاب يتطلب تحليلاً دقيقاً لأدائهم. ومع تزايد أعداد الطلاب وتنوع بيئات التعلم، لم يعد هذا النهج قابلاً للتطبيق على نطاق واسع.
ورغم الإمكانات الكبيرة لهذه التقنية، شدد الباحثون على أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التعليمية لن تكون بديلاً عن المعلم البشري، حيث يستطيع المعلم فهم طلابه بشكل أعمق. ويرى الباحثون أن المستقبل يكمن في استخدام هذه الأدوات لدعم المعلمين وتوسيع نطاق التعليم المخصص.
قد تمثل هذه التقنية خطوة مهمة نحو فهم أعمق لكيفية تعلم الطلاب، وتقديم تعليم أكثر دقة ومرونة، قائم على احتياجات كل متعلم بشكل فردي. وسيتم في المستقبل القريب متابعة تطوير هذه الأدوات لدمجها في منصات تعليمية واسعة، مع الأخذ في الاعتبار التحديات المتعلقة بالتطبيق العملي وخصوصية البيانات.

