يستعرض المسلسل السوري “مولانا”، بطولة تيم الحسن وإخراج سامر البرقاوي، قصة رجل هارب يدخل قرية ويعيش قصة وهمية، محاكياً بذلك فيلم “الحدق يفهم” المصري الذي عُرض عام 1986. يغوص العمل في تفاصيل الصراع بين السلطة الفاسدة والمقاومة الشعبية، مستعرضاً سبل التغيير عبر الإيحاء والإيمان.
تدور أحداث “مولانا” في قرية “العادلية” الخيالية، حيث يتظاهر بطل المسلسل، جابر جاد الله، بأنه “سليم العادل”، كبير القرية، بعد تعرضه للاضطهاد من قبل السلطة. تتشابه هذه الفكرة مع قصة المجرم الذي يتنكر بزي شيخ للاحتيال على أهل قرية في فيلم “الحدق يفهم” من بطولة محمود عبد العزيز.
“مولانا” بين الواقع والإيحاء: دراما ما بعد الأنظمة
يُقدم مسلسل “مولانا” نموذجاً للدراما الشعبوية التي تظهر بعد سقوط الأنظمة السياسية الفاسدة، خاصة عند اقترانها بفشل المؤسسات العسكرية. يتميز العمل بنقده اللاذع للسلطة الزائلة، مصوراً إياها بالجشع والفساد. القرية المتخيلة “العادلية” تصبح مسرحاً لصراع بين شخصيات رمزية، حيث يدل اسم البطل “جابر جاد الله” واسم كبير القرية المدعي “سليم العادل” بوضوح على طبيعة الأدوار.
تُعد دلالات الأسماء عنصراً مهماً في الميلودراما الشعبوية، حيث يعكس كل اسم صفة ترتبط بالشخصية، مثل “زينة” الجميلة و”جواد” القوي، باستثناء العقيد “كفاح” الذي يتناقض اسمه مع طبيعته الشريرة. يتجسد رمز الحكم الديكتاتوري في شخصية العقيد “فارس الحلو”، الذي يسيطر على تلال الزيتون التابعة للضيعة، مسقطاً حكمه القمعي على أهلها.
يصوّر المسلسل الصراع بين “مولانا” المتواطئ مع فساد العقيد، والعقيد الفاسد نفسه الذي يفتقر إلى الرحمة والضمير. يدور هذا الصراع في إطار رمزي بين اللون الأخضر للعسكر ولون الزيتون البكر، مشكلاً لوحة درامية تحمل أبعاداً سياسية واجتماعية.
كل الأنواع: مزيج درامي جاذب
يمزج المسلسل بين أنواع درامية متعددة لخلق جاذبية جماهيرية، مستفيداً من مساحة الحرية الممنوحة بعد التغييرات السياسية. يصور المسلسل بطل المسلسل، العقيد، كنموذج تقليدي للسلطة العسكرية الفاسدة، الذي لا يتورع عن استخدام أقصى درجات الدسائس والمؤامرات ضد أهل القرية.
تتنوع أساليب العقيد الإجرامية، من التفريق بين أهل القرية إلى تفجير سيارة “مولانا” وقصف القرية. حتى في علاقاته الشخصية، يظهر العقيد كشخصية لا تعرف الرحمة، حيث يأمر عشيقته بالإجهاض، ويستخدم أقسى الوسائل للضغط عليها.
الولي والشيطان: شيطنة الخصوم وتفكيك الشخصيات
رغم المساحة الزمنية الممنوحة، لم يتمكن النص من بناء شخصية العقيد كشخصية إنسانية مركبة، فينحاز إلى “شيطنته” الخالصة. هذه الشيطنة، التي تتزايد في أعمال ما بعد انهيار الأنظمة، تضعف الشخصية بدلًا من تقويتها، حيث يدرك الجمهور أنها ليست إنسانًا حقيقيًا، بل مجرد رمز للعهد البائد.
ينطبق هذا على العديد من الشخصيات، مثل الرأسمالي “أبو ليلى” و”صاحب القهوة” الذي يعمل جاسوسًا. هذه الأحادية في تجسيد الشخصيات (إما بيضاء أو سوداء) تقلل من تقبل الجمهور لها، بخلاف شخصيات مثل “جابر” و”شهلا” و”زينة” و”جورية” التي تحمل عمقاً وتناقضات إنسانية واضحة.
يُظهر “جابر” كشخصية هربت من جريمة قتل، لكنها تتصف بالكذب والادعاء. يصل به الأمر إلى محاولة الانتحار ليعيش بصفة “سليم العادل”. أما “شهلا”، فتقع في علاقة غير شرعية مع “جابر” وتكذب للحصول على ميراثها. “زينة” تأتي من خلفية معقدة وتجد نفسها ضحية للوهم.
يشمل التعقيد الإنساني أيضاً شخصية “جواد”، الذي يمر بتطورات بعد انضمامه إلى خلية المقاومة. في المقابل، يقع النص في فخ النمطية في تصوير الخصوم، متجاهلاً تعقيداتهم الإنسانية، بينما يبذل جهدًا في صياغة معادلات عاطفية وإنسانية ملفتة في معسكر أهل القرية. تظهر “جورية” كشخصية حكيمة، تعترف بأنها عرفت كذب “جابر” لكنها شاركت في الوهم لرفع اللعنة عن القرية.
الوهم وسلاح الإيمان: فلسفة الحقيقة والثورة
يطرح مسلسل “مولانا” سؤالاً حول معنى الحقيقة وقوة الوهم، وهل يمكن أن يصبح الوهم سلاحًا حقيقيًا في مواجهة القمع. الكذبة التي بدأها “جابر” تحولت إلى إيمان جمعي، ليصبح رمزًا لمقاومة الطغيان.
على الرغم من بعض العثرات الدرامية وكثرة المصادفات، ينجح المسلسل في تقديم أمثولة حول قوة الإيمان والأسئلة الفلسفية. أزمة الفصام بين “جابر” و”سليم” تبرز أهمية ما حققه “سليم” كزعيم روحي قائد مقاومة، مقارنة بـ”جابر” الذي كان مجرد حفار قبور يسعى للراحة.
يطرح النص نهاية فلسفية سياسية حول ما إذا كانت الكذبة يمكن أن تتحول إلى ثورة تقود إلى الحرية. زيت الزيتون المعصور من زيتون القرية يمثل مجازًا رمزيًا لهذا السؤال، حيث يتساءل عن قدرته العلاجية كرمز للإيمان.
يُعد اختفاء “جابر” في النهاية ضروريًا، وتحول اسم القرية إلى “الجابرية” ذروة رائعة. ومع ذلك، فإن ظهور “جابر” مجدداً في مشهد أخير يقلل من قوة النهاية. نهاية كهذه تبدو غير ناضجة دراميًا، رغم أسبابها التجارية المحتملة.
يبقى مسلسل “مولانا” عملاً يستحق التوقف أمامه كنموذج للمسلسلات التي تمزج السياسي بالفلسفي والنقدي، خاصة في المراحل الانتقالية بين الأنظمة السياسية.

