يعيد فيلم نتفليكس الوثائقي “ملكة الشطرنج” (Queen Of Chess) تسليط الضوء على قصة عبقرية استثنائية في عالم الشطرنج، مستلهماً النجاح الكبير الذي حققه مسلسل “مناورة الملكة” (The Queen’s Gambit). يركز الفيلم على حياة جوديت بولجار، لاعبة الشطرنج المجرية التي حققت إنجازات غير مسبوقة، ويبرز كيف يمكن للبيئة والتدريب المكثف أن يصنعا عبقرية، مما يثير تساؤلات حول طبيعة الموهبة والتربية.
بدأت رحلة جوديت بولجار، المولودة عام 1976، ضمن تجربة علمية فريدة أطلقها والدها لازلو بولجار، أستاذ علم نفس التربية. آمن لازلو بنظريته بأن العبقرية مكتسبة وليست فطرية، وأن التأهيل والتدريب المناسبين يمكن أن يخرجا العبقرية من أي طفل. اختار لعبة الشطرنج لسهولة تعليمها وتكلفتها المنخفضة، وطبق نظام تدريب صارم على بناته الثلاث، زوفيا وسوزان وجوديت، بمنزلهن في بودابست، بعيداً عن التعليم المدرسي التقليدي، مع توفير أفضل المدربين لهن.
تجربة “ملكة الشطرنج” تنطلق
بدأت هذه التجربة الطموحة عام 1981، وسط شكوك العديد من المحيطين، بل ومقاومة من السلطات الشيوعية التي اعتبرت التجربة غريبة وهددت بسحب الفتيات من والديهن. إلا أن النتائج بدأت تظهر خلال سنوات قليلة، حيث تحولت الأخوات إلى بطلات حقيقيات في عالم الشطرنج. في عام 1988، سافرت الفتيات لأول مرة خارج المجر لتمثيل بلادهن في أولمبياد الشطرنج الدولي، وعُدن بميداليات ذهبية، متفوقات على أقوى لاعبات العالم، وعلى رأسهم فريق الاتحاد السوفيتي الذي كان يهيمن على اللعبة.
لكن الأصغر بين الأخوات، جوديت، التي لم تكن قد بلغت عامها الثاني عشر بعد، خطفت الأضواء بشكل خاص. خلال أشهر قليلة، أصبحت أقوى لاعبة في العالم، وفي سن الخامسة عشرة وأربعة أشهر، حصلت على لقب “أستاذ دولي كبير” (Grandmaster)، لتصبح أصغر لاعبة تحقق هذا الإنجاز في ذلك الوقت، متجاوزة بذلك الرقم القياسي المسجل باسم بوبي فيشر.
“ملكة الشطرنج”: رحلة إلى عقل عبقري
فيلم “ملكة الشطرنج” يأخذ المشاهد في رحلة مدتها 94 دقيقة عبر حياة وعقل جوديت بولجار، مقدمًا توثيقًا شاملاً لإنجازاتها. نجح الفيلم في احتلال مكانة ضمن الأعمال العشرة الأكثر مشاهدة على نتفليكس، محققًا نجاحًا كبيرًا عالميًا وفي موطنها المجر.
الفيلم من إخراج ومن كتابة الأمريكية روري كينيدي، المعروفة بأعمالها الوثائقية السياسية الهامة. سبق لها إخراج فيلم “بوبي فيشر ضد العالم” (Bobby Fischer Against the World) عام 2011، والذي تناول حياة عبقري الشطرنج الأمريكي بوبي فيشر، الذي كسر الاحتكار السوفيتي للعبة. على عكس فيلم فيشر الذي اتسم بالجدية والكآبة، يقدم فيلم “ملكة الشطرنج” طاقة إيجابية وأملًا، مع بعض التساؤلات حول عمق الطرح.
إشكاليات وثائقية حول “ملكة الشطرنج”
يطرح الفيلم، كأي عمل وثائقي عن شخصية حقيقية، مسألة اختصار الحياة في مدة زمنية محدودة، فضلاً عن وجهة نظر صناع الفيلم. في سياق “ملكة الشطرنج”، يحاول الفيلم معالجة قضايا معاصرة مثل “استغلال الأطفال”، الاضطهاد السياسي، والتحيز الجنسي ضد النساء في عالم الرياضة، ولكنه لا يتعمق في أي منها بشكل شامل.
تربية أم استغلال؟
يتساءل الفيلم عما إذا كانت بنات بولجار قد تعرضن للاستغلال بسبب تجربة والدهن. يقدم الفيلم هذا السؤال بشكل عابر، ولكنه يغفل عن حقيقة أن العديد من الآباء يسعون لتنشئة أبنائهم ليكونوا متفوقين. خبراء التربية يشجعون على تنمية قدرات الأطفال منذ الصغر، والعديد من الأطفال يخضعون لبرامج تدريب مكثفة في مختلف المجالات. تجربة بولجار لم تكن فريدة، فقد قامت العديد من الدول بتطبيق برامج مشابهة لتنمية مواهب الأطفال. ينجح الفيلم في إظهار أن بنات بولجار نشأن بشكل صحي وسعيد، وتحولن إلى رموز للنجاح، بخلاف بعض الأطفال الذين يعانون من ضغوط تربوية مفرطة.
تغير المواقف السياسية
يوضح الفيلم ببراعة الظروف الصعبة التي أحاطت بطفولة الفتيات في ظل النظام الشيوعي، من الفقر إلى الشكوك الحكومية. عندما ظهرت بوادر النجاح، تغير موقف السلطات وتبنت الأسرة، مما أدى إلى تحولهن من “نعاج سوداء” إلى “فتيات ذهبيات” في نظر النظام.
حقيقة الانحياز الجنسي في الشطرنج
يتطرق الفيلم إلى قضية التحيز الجنسي ضد النساء في الرياضة، ويستشهد بتصريحات لنجوم مثل كاسباروف وفيشر تفيد بأن النساء أقل قدرة على لعب الشطرنج. ومع ذلك، يغفل الفيلم عن حقيقة أن كلا اللاعبين تعاونا لاحقًا مع جوديت بولجار، بل وقاما بتدريبها. كما يتجاهل الفيلم ذكر الرائدة فيرا مينشيك، التي بدأت التنافس مع الرجال في عشرينيات القرن الماضي دون أي اعتراض.
دراما نتفليكسية: التركيز على الصراع
يحول الفيلم قصة جوديت بولجار إلى دراما تركز على صراعها مع كاسباروف، بينما تضمنت إنجازاتها هزيمة 10 أبطال عالم آخرين. رغم أهمية فوزها على كاسباروف، إلا أنه جانب واحد من مسيرة إنجازاتها المذهلة. بالرغم من بعض الملاحظات، يقدم الفيلم مزيجًا محبوبًا من المواد الأرشيفية، والمقابلات، والإيقاع السريع، والموسيقى المبهجة، وهو ما يميز الإنتاجات المقدمة على نتفليكس.
ما القادم؟
يبقى السؤال حول مدى تأثير هذه النجاحات على الأجيال القادمة من الفتيات في عالم الشطرنج، وما إذا كانت قصص العبقرية المكتسبة ستصبح نماذج ملهمة. كذلك، يظل الترقب لردود فعل النقاد وجمهور الشطرنج على طريقة معالجة الفيلم للقضايا المطروحة.

