كشفت دراسة علمية حديثة واسعة النطاق عن وجود ارتباط قوي بين التعرض طويل الأمد لتلوث الهواء وزيادة خطر تدهور القدرات البدنية لدى كبار السن. وأفادت النتائج بأن هذا التعرض يقلل أيضاً من فرص تعافي كبار السن بعد حدوث هذا التدهور، مما يلقي الضوء على أهمية جودة الهواء لصحة المسنين.
تابعت الدراسة، التي نُشرت في مجلة JAMA Network Open، حوالي 30 ألف شخص تزيد أعمارهم عن 50 عاماً لمدة تقارب 20 عاماً. وأظهرت أن ارتفاع تركيزات الجسيمات الدقيقة جداً (PM2.5) والجسيمات الأكبر قليلاً (PM2.5-10)، بالإضافة إلى غاز ثاني أكسيد النيتروجين، يزيد من احتمالية انتقال الأفراد من حالة صحية بدنية جيدة إلى حالات تعاني من محدودية في الحركة أو إعاقة في أنشطة الحياة اليومية.
تلوث الهواء والإعاقة البدنية لدى كبار السن
من النتائج البارزة للدراسة، ربطت الجسيمات الدقيقة جداً بانخفاض فرص العودة من حالة محدودية الحركة إلى حالة سليمة. وتأتي هذه الدراسة بأهمية خاصة في ظل الأهمية المتزايدة للإعاقة البدنية كحصيلة تراكمية للأمراض المزمنة، حيث أن تحديد العوامل القابلة للتعديل التي تؤثر في مسار الإعاقة يعد أمراً حيوياً.
شارك في الدراسة أفراد من دراسة صحية وطنية تمثيلية في الولايات المتحدة، حيث تم إجراء مقابلات دورية معهم بين عامي 2000 و2016. وتم تحليل البيانات لتقدير متوسط التعرض لتلوث الهواء خلال السنوات العشر السابقة لكل مقابلة، بالاعتماد على عناوين السكن ونماذج مكانية زمنية متقدمة.
اعتمد الباحثون في تقييم الإعاقة البدنية على تقارير المشاركين حول صعوبات الحركة، مثل المشي لمسافة قصيرة أو صعود الدرج، وصعوبات أداء أنشطة الحياة اليومية الأساسية كالأكل والاستحمام وارتداء الملابس.
خلال فترة المتابعة التي بلغت في المتوسط 8 سنوات، ظل معظم المشاركين في حالتهم البدنية نفسها، إلا أن نحو 15% منهم شهدوا تدهوراً، فيما كانت حالات التحسن أقل شيوعاً. وباستخدام نماذج إحصائية متقدمة، وجد الباحثون أن زيادة في تركيز الجسيمات الدقيقة جداً ارتبطت بزيادة خطر الانتقال من حالة صحية جيدة إلى حالة محدودة الحركة بنسبة 6% تقريباً، وانخفاض في فرص التعافي بنسبة 4% تقريباً.
كما لوحظ أن الجسيمات الأكبر وثاني أكسيد النيتروجين ارتبطا بأنماط مشابهة من التدهور في القدرات البدنية. وعلى النقيض، ارتبط ارتفاع تركيز الأوزون بانخفاض خطر تطور الإعاقة أو تفاقمها، وهي نتيجة تتطلب مزيداً من البحث، وقد تعكس تفاعلات كيميائية مع ملوثات أخرى أو عوامل بيئية غير مقاسة.
تفسر الآليات البيولوجية المحتملة هذه النتائج، حيث يمكن لتلوث الهواء تحفيز الالتهاب المزمن، والإجهاد التأكسدي، واضطراب وظيفة الأوعية الدموية، مما يؤثر سلباً على صحة القلب والرئتين والتمثيل الغذائي، وهي عوامل أساسية للحفاظ على القوة والحركة لدى كبار السن.
بالإضافة إلى ذلك، قد يساهم تلوث الهواء في اضطراب الغدد الصماء ونقص فيتامين د، مما يؤثر بدوره على صحة العظام والعضلات. وتعتبر هذه الدراسة من الأوائل التي تتناول الإعاقة البدنية كعملية ديناميكية تشمل كلاً من التدهور والتحسن، مع استخدام متوسطات تعرض طويلة الأمد، مما يعزز من أهمية التأثير التراكمي لتلوث الهواء.
على الرغم من قوة تصميم الدراسة، أقر الباحثون بقيود محتملة، منها الاعتماد على قياسات التلوث الخارجي فقط وعدم احتساب التعرض داخل المنازل، بالإضافة إلى احتمال وجود تحيز ناتج عن فقدان بعض المشاركين. ومع ذلك، تؤكد النتائج بشدة أن تقليل مستويات بعض ملوثات الهواء الرئيسية قد يساعد في تأخير ظهور محدودية الحركة والإعاقة، بل وتخفيف حدتها.
تُسلط هذه الدراسة الضوء على الدور الحاسم للسياسات البيئية في دعم شيخوخة صحية وتقليل العبء الاقتصادي المرتبط بالإعاقة. يبقى البحث المستقبلي مهماً لفهم تأثير الأوزون بشكل أعمق، ولتقييم فعالية التدخلات الصحية والبيئية في التخفيف من آثار تلوث الهواء على قدرة كبار السن البدنية.

