كشفت دراسة علمية حديثة عن انخفاض ملحوظ في معدلات الإصابة بمقدمات تسمم الحمل الشديدة، وهي حالة خطيرة تهدد حياة الأم والجنين، وذلك نتيجة لإعطاء جرعة يومية من الأسبرين لجميع الحوامل منذ بداية متابعة الحمل. جاءت نتائج الدراسة، التي عُرضت في اجتماع جمعية طب الأم والجنين لعام 2026 في لاس فيجاس، في وقت تتزايد فيه الدعوات لتوسيع نطاق استخدام الأسبرين منخفض الجرعة للوقاية من هذه المضاعفات التي لا تزال سببًا رئيسيًا للوفيات المرتبطة بالحمل عالميًا.
يُعرف تسمم الحمل بارتفاع ضغط الدم خلال الحمل مع دلائل على تأثر أعضاء حيوية، بينما تتسم مقدمات تسمم الحمل الشديدة بارتفاع حاد في ضغط الدم وتضرر واضح للأعضاء، مما قد يؤدي إلى مضاعفات مهددة للحياة. وتمثل اضطرابات ارتفاع ضغط الدم نسبة كبيرة من الوفيات المرتبطة بالحمل في الولايات المتحدة، مما يؤكد أهمية التدخل المبكر.
الأسبرين للحوامل: ممارسة سريرية موسعة
على الرغم من أن الأبحاث السابقة أثبتت فعالية الأسبرين منخفض الجرعة في تقليل خطر تسمم الحمل لدى النساء المعرضات للخطر، فإن تطبيقه العملي ظل محدودًا. ويعود ذلك إلى صعوبة تحديد جميع الفئات عالية الخطورة والعوائق العملية في الحصول على الدواء والالتزام بتناوله. لذلك، بدأت بعض الإرشادات الحديثة توصي بتطبيق أوسع نطاقًا.
في محاولة لتقييم تأثير سياسة شاملة، أجرى العلماء تغييرًا في الممارسة السريرية في مستشفى باركلاند بدالاس، تكساس، اعتبارًا من أغسطس 2022. تم تقديم جرعة يومية من الأسبرين (162 ملجم) لجميع الحوامل عند أول زيارة لمتابعة الحمل، بشرط أن تكون الزيارة في الأسبوع السادس عشر أو قبله. وللتغلب على تحديات الوصول للدواء، تم صرفه مباشرة داخل عيادات متابعة الحمل لضمان البدء المبكر وزيادة الالتزام.
قارن الباحثون نتائج 18,457 سيدة وضعن مواليدهن بين عامي 2023 و2025 مع نتائج عدد مماثل من الحوامل قبل تطبيق السياسة الجديدة. وأظهرت النتائج انخفاضًا بنسبة 29% في الإصابة بمقدمات تسمم الحمل الشديدة لدى الحوامل اللواتي تناولن الأسبرين يوميًا مقارنة بالمجموعة التي لم تتلق العلاج.
كما لوحظ أن النساء اللواتي تطور لديهن المرض رغم تناول الأسبرين أُصبن به في مراحل متأخرة من الحمل، مما يمنح الفريق الطبي فرصة أطول للمراقبة والتدخل ويقلل من احتمالية الولادة المبكرة. وتشير الدراسة أيضًا إلى فائدة خاصة للنساء المصابات بارتفاع ضغط الدم المزمن قبل الحمل، حيث كن أقل عرضة للإصابة بمقدمات تسمم الحمل الشديدة عند تناول الأسبرين.
لم تظهر النتائج أي زيادة في معدلات النزيف أو انفصال المشيمة، وهي مخاوف قد تُثار عند استخدام مضادات الصفائح الدموية أثناء الحمل.
آليات الوقاية وتحديات المستقبل
أوضحت المؤلفة الرئيسية للدراسة، إلين دوريا، أن صرف الأسبرين مباشرة في هذه الفئة من الحوامل ساهم في تأخير ظهور مقدمات تسمم الحمل الشديدة، بل وربما منع حدوثها بالكامل لدى البعض. ورغم عدم إمكانية الجزم بتكرار نفس التأثير في جميع المجموعات السكانية، لم تظهر النتائج أي دليل على ضرر ناتج عن إعطاء الأسبرين في هذا الإطار.
ويرى الخبراء أن أهمية هذه النتائج تكمن في كونها تعكس تجربة واقعية واسعة النطاق، خصوصًا في مستشفى يخدم شريحة سكانية متنوعة غالبًا ما تواجه صعوبات في الوصول إلى الرعاية الصحية المنتظمة. إن صرف الدواء مباشرة تجاوز أحد العقبات الرئيسية أمام الالتزام بالعلاج، وهو الحاجة إلى وصفة منفصلة أو شراء الدواء من الصيدلية.
لا تزال الآليات الدقيقة لتسمم الحمل غير مفهومة بالكامل، ولكن الأبحاث تربطها باضطرابات في تطور الأوعية الدموية في المشيمة والتهاب واسع النطاق في جسم الأم. يعتقد أن الأسبرين بجرعات منخفضة يعزز تدفق الدم في المشيمة ويقلل من الالتهاب، مما يؤثر إيجابًا على تطور الحمل.
تزداد أهمية الوقاية من هذه الحالة نظرًا لمضاعفاتها الخطيرة المحتملة، مثل الولادة المبكرة، وانخفاض وزن المولود، وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية للأم لاحقًا. ومع أن النتائج واعدة، إلا أن الباحثين يدعون إلى مزيد من الدراسات لتقييم إمكانية تعميم هذه السياسة في بيئات صحية مختلفة، وتحديد الجرعة المثلى ووقت بدء العلاج بدقة أكبر.
تبرز هذه الدراسة كخطوة مهمة نحو تبني استراتيجيات وقائية أكثر شمولًا. فإذا تأكدت النتائج في سياقات أخرى، فقد يشهد مجال رعاية الحوامل تحولًا من التركيز على الفئات عالية الخطورة فقط إلى نهج أوسع للوقاية المبكرة عبر تدخل بسيط ومنخفض التكلفة نسبيًا. بينما يظل القرار النهائي مرهونًا بتقييمات أوسع للسلامة والفعالية، فإن الرسالة الأساسية واضحة: “التدخل المبكر المنظم يمكن أن يحدث فارقًا حقيقيًا في تقليل أحد أخطر مضاعفات الحمل، وإنقاذ حياة أمهات وأطفال”.

