كتب : محمود مصطفى أبو طالب
11:50 ص
19/01/2026
أكد الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف، أن المهن والحِرف في التصور الإسلامي تمثل قيمة حضارية وأخلاقية أصيلة، وتسهم إسهامًا مباشرًا في بناء الإنسان وصناعة العمران، مشددًا على أن الإسلام لم ينظر إلى العمل بوصفه مجرد وسيلة للكسب، بل باعتباره رسالة أخلاقية ومسؤولية إنسانية.
جاء ذلك في كلمة ألقاها وكيل الأزهر نيابةً عن فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، خلال المؤتمر الدولي «المهن في الإسلام: أخلاقياتها، وأثرها، ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي»، الذي تنظمه وزارة الأوقاف برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وأوضح الضويني أن القرآن الكريم قدّم نماذج متعددة للمهن والحِرف، من البناء والحدادة وصناعة السفن إلى تشييد السدود، بما يؤكد عمق الصلة بين العمل وصيانة الدين وبناء الحضارة، لافتًا إلى أن عمارة المساجد لا تنفصل عن عمارة الأرض، وأن الإيمان الحق يقترن بالعمل المنتج ومقاومة الكسل والبطالة.
وأشار وكيل الأزهر إلى أن السيرة النبوية رسخت ثقافة العمل الشريف، مستشهدًا بموقف النبي ﷺ من الرجل الأنصاري الذي وجّهه إلى استثمار ما يملك وفتح باب الرزق بيده، في نموذج عملي يكرّس كرامة الإنسان ويصون المجتمع من آفة السؤال.
وأكد أن التجربة الحضارية الإسلامية قامت على تكامل العلم والعمل، واتحاد الكفاءة المهنية بالأخلاق الرفيعة، حيث أسهم الأطباء والعلماء والمهندسون والصناع والتجار في ازدهار الحضارة الإسلامية، وجعلوا من المهن جسورًا للتواصل الإنساني ونشر القيم.
وفيما يتعلق بعصر الذكاء الاصطناعي، شدد وكيل الأزهر على ضرورة تحقيق التوازن بين التقدم التقني والثوابت الأخلاقية، محذرًا من اختزال مستقبل المهن في سرعة الآلة ودقتها دون اعتبار لدور الإنسان وضميره ومسؤوليته الأخلاقية.
وأوضح أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تبني التقنيات الحديثة، بل في دمجها دمجًا أخلاقيًا يضمن العدالة في فرص العمل، ويحفظ حقوق العاملين، ويحول دون توظيف التكنولوجيا في الإقصاء أو الاستغلال.
ودعا الضويني العلماء والباحثين والمتخصصين إلى التعاون لوضع رؤية شرعية ومهنية متكاملة، تضمن توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان وتحقيق مقاصد الشريعة في عمارة الكون، مؤكدًا أن المجتمعات التي تفقد أخلاق المهنة تفقد روحها، مهما امتلكت من موارد.
واختتم وكيل الأزهر كلمته بالتأكيد على أن هذا المؤتمر يمثل لبنة مهمة في البناء الحضاري للأمتين العربية والإسلامية، وخطوة جادة نحو استشراف مستقبل المهن في ضوء القيم الإيمانية والإنسانية.

