في خطوة تُعيد تعريف الشواطئ بوصفها بيئات تشغيل لا مجرد مساحات استخدام، أعلنت الهيئة السعودية للبحر الأحمر دخول مرحلة جديدة بإطلاق متطلبات واشتراطات مُشغّلي الشواطئ.
ويُشكّل هذا الإطار التنظيمي حجرَ الأساس لتطوير تنظيم القطاع السياحي الساحلي، ولاسيما نشاط الشواطئ، عبر الانتقال من الممارسات الفردية المتفاوتة إلى مرجعية وطنية موحدة، تُدار من خلالها المخاطر بمنهجية واضحة، وتُعزَّز الجودة وفق معايير محددة، وتُصان الأرواح بنهج وقائي صارم.
وتكتسب هذه الخطوة بُعدها الإستراتيجي من ضخامة الرقعة الجغرافية المستهدفة التي تتجاوز 1,800 كم على امتداد ساحل البحر الأحمر؛ مما يجعل الاتساق التنظيمي ضرورة حتمية لضبط الإيقاع التشغيلي، ورفع الموثوقية عبر هذا النطاق الواسع، حيث ينطلق جوهر هذا الإطار من مبدأ تأسيس يتسم بالصرامة تحت عنوان: “لا تشغيل بلا ترخيص”.
وتجاوزت الوثيقة التنظيمية نطاق ملاحقة المخالفات إلى ترسيخ مفهوم الامتثال الاستباقي، من خلال قصر ممارسة النشاط على الكيانات المرخصة، وتحديد مدة الترخيص بعامين، مع تنظيم آلية التجديد بدقة عبر تقديم الطلب قبل (30) يومًا من انتهاء الترخيص؛ بما يسهم في تعزيز استقرار البيئة الاستثمارية، ويمنح المشغّل وضوحًا زمنيًا يدعم التخطيط المستدام.
وفي جانب السلامة، الذي يُعد محورًا رئيسًا في هذا التنظيم، ربطت الهيئة منح الترخيص بحزمة من الاشتراطات الوقائية، تشمل الحصول على التصريح البيئي ووثيقة التأمين، إلى جانب متطلبات تخطيط الحيز البحري وفصل الأنشطة، واعتماد خطط السلامة، وتقييم الطاقة الاستيعابية للشواطئ.
وأكدت الهيئة أن الإطار التنظيمي ركّز على مأسسة السلامة عبر إلزامية توافر منقذين مرخصين وتجهيزات متكاملة، إلى جانب إنشاء نظام للإبلاغ الفوري عن الحوادث وتحليل أسبابها، بما يعزز الانتقال بالسلامة من الاستجابة اللحظية إلى منظومة تعلم وتحسين مستمر.
ولأن الشاطئ يُعد تجربة متكاملة، امتدت المتطلبات لتشمل الجودة والاستدامة، من خلال الاستناد إلى كود البناء السعودي لضمان معايير الوصول الشامل للأشخاص ذوي الإعاقة والسلامة الإنشائية، إضافة إلى تبنّي مرجعيات عالمية مثل معايير العلم الأزرق (Blue Flag) ومواصفة (ISO 13009:2024)، بما يسهم في تعزيز تنافسية المنتج السياحي السعودي ومواءمته للمعايير الدولية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أكدت الهيئة أن القيمة لا تقتصر على الوثيقة التنظيمية ذاتها، بل فيما تتيحه من يقين استثماري، إذ يسهم توحيد المتطلبات في تقليص التباين وخفض المخاطر التشغيلية، ويعزز قابلية المنتج السياحي للتمويل والتوسع، في ظل وضوح قواعد النشاط وقياسيتها.
ويأتي ذلك امتدادًا لمستهدفات الهيئة السعودية للبحر الأحمر في بناء قطاع سياحي ساحلي يسهم بـ(85) مليار ريال في الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام (2030م)، واستحداث نحو (210) آلاف وظيفة، وجذب (19) مليون سائح، مؤكدة أن تحقيق مستهدف المملكة باستقبال (150) مليون سائح لا يعتمد على زيادة العرض فحسب، بل يتطلب بناء منظومات تشغيل موثوقة وآمنة ترفع جودة التجربة وتعزز الثقة.
ولضمان تحول سلس يحافظ على ديناميكية النشاط، وازن الإطار التنظيمي بين الحزم والتمكين، حيث تدخل المتطلبات حيز التنفيذ بعد شهر من الإعلان، مع منح المشغلين القائمين مهلة تصحيحية تمتد لعام كامل، بما يعكس دور الهيئة بوصفها شريكًا وممكّنًا للقطاع الخاص في تطوير منظومة السياحة الساحلية.
يُذكر أن متطلبات واشتراطات مُشغّلي الشواطئ تمثل نقلة حوكمة شاملة تتجاوز الضبط الإداري، عبر تحويل الشاطئ إلى منتج سياحي مؤسسي، ووضع حماية الأرواح في صميم النموذج التشغيلي، وتهيئة بيئة استثمارية أكثر نضجًا تقوم على معايير موحدة واضحة ونافذة وقابلة للنمو.

