قضت المحكمة المدنية الابتدائية في دبي بإلزام عدد من الأفراد والشركات بأن يؤدوا، بالتضامن، لشركتين تعملان في مجال التجارة البحرية، مبلغ ثلاثة ملايين و903 آلاف درهم، مع تثبيت حجز تحفظي على أموالهم، بعد إدانتهم جزائياً بحكم بات، بارتكاب جرائم غسل أموال ناتجة عن عملية احتيال إلكتروني استهدفت شركتين أجنبيتين تعملان في قطاع الشحن البحري، والاستيلاء على المبلغ منهما بعد اختراق البريد الإلكتروني لإحداهما.
وتعود وقائع الدعوى، بحسب ما استقر في أوراقها، إلى انتحال المدعى عليهم، ضمن جماعة إجرامية، صفة ممثل شركة تعمل في مجال الشحن البحري، واستخدام بريد إلكتروني مزور شبه مطابق للبريد الرسمي للشركة الأصلية، لإيهام الشركتين المجني عليهما بوجود تغيير في الحساب المصرفي المخصص لسداد مستحقات تجارية قائمة.
وبفعل هذا الأسلوب الاحتيالي، جرى تحويل مبلغ 3.9 ملايين درهم من حسابي الشركتين في دولة أوروبية إلى حساب مصرفي في دولة أخرى، قبل نقل المبلغ لاحقاً إلى حسابات شركات مملوكة للمدعى عليهم داخل الدولة، في محاولة لتمويه مصدر الأموال وإخفاء طبيعتها غير المشروعة.
وانتهى الحكم الجزائي الصادر في الواقعة إلى أن المتهمين ارتكبوا جريمة غسل أموال، باستخدام حسابات شركات اعتبارية وهمية، وأنهم حوّلوا الأموال المتحصلة من جريمة احتيال إلكتروني دولية عبر مراحل مصرفية عدة، بما يدل على التخطيط المسبق والدراية بالأنظمة المصرفية، وقُضي بمعاقبة المتهمين الطبيعيين بالسجن والغرامة والإبعاد، وتغريم الشركات الاعتبارية، مع مصادرة الأموال المتحصلة من الجريمة.
وبحسب ما انتهى إليه الحكم الجزائي، فإن الأموال محل النزاع تم الاستيلاء عليها نتيجة جريمة أصلية أجنبية عالية الخطورة، ما يجعل ذمة المدعى عليهم مشغولة بالمبلغ لمصلحة الشركتين المجني عليهما، ما مهّد لإحالة الدعوى المدنية إلى المحكمة المختصة للفصل في التعويض.
وبعد نظر الدعوى من قبل المحكمة المدنية أفادت في حيثياتها بأن المسؤولية التقصيرية تقوم متى ثبت الخطأ والضرر وعلاقة السببية بينهما، مشيرة إلى أن الخطأ في الواقعة محل النزاع ثبت ثبوتاً يقينياً بموجب الحكم الجزائي النهائي، وما تضمنه من وقائع وأدلة قاطعة.
وأوضحت المحكمة أن الضرر الذي لحق بالمدعيتين تمثّل في الاستيلاء على المبلغ محل النزاع، وحرمانهما من الانتفاع به أو استثماره، وهو ضرر مادي محقق، ترتب مباشرة على الفعل غير المشروع الذي ارتكبه المدعى عليهم.
وأشارت المحكمة إلى أن القرائن القضائية تُعدّ من طرق الإثبات التي منح المشرع للقاضي سلطة واسعة في استخلاصها من الوقائع والأدلة المطروحة، وأن لها أن تبني حكمها على قرينة واحدة متى كانت كافية في نظرها.
وفي هذا السياق، استندت المحكمة إلى محاضر جمع الاستدلالات، والتحقيقات التي أجرتها النيابة العامة، وشهادات الشهود، والتدقيق في الحسابات المصرفية التي تلقت المبالغ المحولة، وصور التحويلات البنكية التي كشفت مسار الأموال من الحساب الاحتيالي إلى حسابات الشركات المملوكة للمدعى عليهم داخل الدولة.
وانتهت المحكمة إلى أن هذه القرائن مجتمعة، تكفي لإثبات واقعة الاحتيال الإلكتروني والاستيلاء على الأموال، وتؤكد قيام علاقة السببية بين فعل المدعى عليهم والضرر الذي لحق بالمدعيتين.
وحول تقدير التعويض، أوضحت المحكمة أن لها السلطة التامة في تحديد مبلغ التعويض الجابر للضرر، من دون التقيد بمعايير حسابية محددة، طالما بينت عناصر الضرر ووجه أحقية المطالبة به.
وبشأن طلب الفائدة أخذت المحكمة بالعرف القضائي، وقضت بفائدة قانونية بنسبة 5% من المبلغ المحكوم به، تسري من تاريخ صيرورة الحكم نهائياً وحتى تمام السداد.
وتناول الحكم طلب تثبيت الحجز التحفظي، مشيراً إلى أن المدعيتين التزمتا برفع الدعوى الموضوعية خلال المدة القانونية عقب صدور حكم الحجز، وأن هناك خشية جدية من تهريب الأموال أو التصرف فيها، خصوصاً في ظل صدور حكم جزائي بات ضد المدعى عليهم، ما يبرر استمرار الحجز إلى حين استيفاء الحق.
وانتهت المحكمة، وبمثابة حكم حضوري، إلى إلزام المدعى عليهم، تضامناً، بسداد المبلغ محل النزاع، مع الفائدة القانونية، وتثبيت الحجز التحفظي على أموالهم، وإلزامهم برسوم الدعوى ومصروفاتها، ورفض ما عدا ذلك من طلبات.

