في لحظة تاريخية تعيد البشر إلى محيط القمر، انطلقت مهمة “أرتميس 2” فجر الخميس بتوقيت السعودية، لتكون أول رحلة فضائية مأهولة إلى القمر بعد أكثر من 50 عامًا من آخر مهمة مشابهة في برنامج أبولو. انطلقت المهمة من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا، حاملةً على متنها رواد فضاء في رحلة حول القمر، بهدف اختبار الأنظمة الحيوية تمهيداً لعمليات الهبوط المستقبلي.
تعد هذه المهمة، التي تستخدم صاروخ نظام الإطلاق الفضائي (SLS) ومركبة أوريون، خطوة أساسية ضمن برنامج أرتميس الأوسع لوكالة ناسا، والذي يهدف إلى استكشاف الفضاء العميق بشكل مستدام. يمثل انطلاق “أرتميس 2” عودة الأمل في استكشاف الإنسان للفضاء العميق، مؤكدةً القدرات المتطورة في مجال السفر الفضائي.
مهمة “أرتميس 2”: عودة إلى محيط القمر
تُعتبر مهمة “أرتميس 2” ثاني مهمة في برنامج أرتميس، والأولى التي تنقل رواد فضاء باستخدام مركبة أوريون وصاروخ نظام الإطلاق الفضائي (SLS). الهدف الرئيسي لهذه البعثة هو إجراء رحلة حول القمر دون الهبوط عليه، مما يتيح اختبار فعالية أنظمة المركبة رواد الفضاء في بيئة الفضاء العميق قبل التحضير لخطوات الهبوط المستقبلي.
تكمن الأهمية التاريخية لـ”أرتميس 2″ في أنها تعيد البشر إلى محيط القمر لأول مرة منذ حقبة أبولو. كما تمثل هذه المهمة جسرًا أساسيًا في استراتيجية ناسا لاستكشاف الفضاء، حيث تأتي بعد اختبارات “أرتميس 1” غير المأهولة، وتمهد الطريق لمهمة “أرتميس 3” التي تستهدف إعادة الهبوط البشري على سطح القمر.
طاقم المهمة وتقنياتها
يتكون طاقم مهمة “أرتميس 2” من أربعة رواد فضاء يمثلون خبرات متنوعة. يقود المهمة ريد وايزمان، رائد الفضاء الأمريكي المخضرم. يشاركه في الرحلة فيكتور جلوفر، أول شخص من أصول غير بيضاء يصل إلى الفضاء العميق، وكريستينا كوك، التي تحمل الرقم القياسي لأطول مدة بقاء لامرأة في الفضاء. ينضم إليهم جيريمي هانسن من وكالة الفضاء الكندية، وهو أول رائد فضاء غير أمريكي يصل إلى هذه المسافة في الفضاء.
تعتمد المهمة على صاروخ نظام الإطلاق الفضائي (SLS)، أقوى صاروخ صنعته ناسا. يتميز الصاروخ بمحركاته RS-25 وتوفر معززاته الصاروخية قوة دفع هائلة. أما مركبة أوريون، فقد صممت لضمان سلامة رواد الفضاء في بيئات الفضاء القاسية، وهي مزودة بأنظمة دعم حياة متقدمة ودرع حراري فعال.
مسار الرحلة وتحدياتها
من المتوقع أن تستمر مهمة “أرتميس 2” حوالي 10 أيام. بعد الوصول إلى مدار حول الأرض، ستتبع المركبة مسار “حقن المسار نحو القمر” الذي سيوصلها إلى محيط القمر. ستتحرك المركبة لمسافة بعيدة خلف القمر قبل أن تبدأ رحلة العودة عبر مسار “العودة الحرة”، الذي يعتمد على الجاذبية للعودة إلى الأرض تلقائياً.
خلال الرحلة، سيقوم رواد الفضاء باختبار أنظمة المركبة، بما في ذلك الملاحة والاتصالات ودعم الحياة، كما سيقومون بتجارب علمية محدودة. ستصل المركبة إلى مسافة تقدر بنحو 7600 كيلومتر خلف القمر، وهي مسافة تتجاوز ما حققته أبعد الرحلات المأهولة سابقاً.
واجهت المهمة عدة تأجيلات بسبب تحديات تقنية، أبرزها مشاكل في الدرع الحراري لمركبة أوريون، والتي تم اكتشافها بعد مهمة “أرتميس 1”. كما رصدت أعطال فنية أثناء الاختبارات الأرضية، مثل تسرب في الهيدروجين السائل. يتم التعامل مع هذه التحديات لضمان أعلى معايير السلامة للطاقم.
مستقبل استكشاف الفضاء
تمثل “أرتميس 2” مرحلة حاسمة تمهد الطريق لمهمة “أرتميس 3” التي تهدف إلى هبوط البشر على سطح القمر، مما سيعيد البشرية إلى السطح القمري لأول مرة منذ عام 1972. تشمل خطط وكالة ناسا ما هو أبعد من ذلك، مع طموحات لإنشاء بنية تحتية مستدامة على القمر، بما في ذلك محطة “جيت واي” الفضائية، كمنصة للانطلاق نحو مهمات استكشافية مستقبلية، بما في ذلك رحلات إلى المريخ.
تُعد هذه المهمة مهمة للعالم، فهي لا تمثل مجرد إنجاز علمي، بل تعكس تقدم البشرية في مجال استكشاف الفضاء، وتعزز التعاون الدولي. كما أنها تلهم الأجيال الجديدة وتشعل شعلة الاستكشاف، مؤكدةً أن الفضاء لا يزال وجهة ممكنة للإنسان.

