باكتشاف جيني جديد.. أمل لمواجهة مقاومة البعوض للمبيدات في مكافحة الملاريا
اكتشف باحثون في المملكة المتحدة والكاميرون علامة جينية محددة في الحمض النووي للبعوض الناقل لمرض الملاريا، ترتبط بشكل مباشر بقدرته على مقاومة المبيدات الحشرية. هذا الاكتشاف، الذي نشر في دورية Science Translational Medicine، يمثل خطوة محورية قد تغير مسار مكافحة الملاريا عالمياً، ويساعد في التغلب على أحد أصعب التحديات التي تواجه برامج الصحة العامة.
تُعد الملاريا، التي يسببها طفيل البلازموديوم وتنتقل عبر لدغات بعوض الأنوفيلس، مرضاً فتاكاً يهدد ملايين الأرواح، خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء. ومع وجود جهود وقائية وعلاجية مستمرة، بما في ذلك استخدام الناموسيات المعالجة بالمبيدات والأدوية، تأتي مقاومة البعوض للمبيدات الحشرية كعقبة رئيسية تعيق جهود القضاء على المرض.
آلية المقاومة الجينية للمبيدات
تكمن أهمية هذه الدراسة في تحديدها لعلامة جينية واضحة تقع في جين مسؤول عن إنتاج إنزيم “سيتوكروم P450”. يلعب هذا الإنزيم دوراً حيوياً في قدرة البعوض على تكسير مبيدات “البيريثرويد”، وهي المكون الأساسي في العديد من الناموسيات المستخدمة على نطاق واسع في الوقاية من الملاريا، خاصة في إفريقيا.
يعمل إنزيم “سيتوكروم P450” على تفكيك المبيدات الكيميائية ضمن جسم البعوض، محولاً إياها إلى مركبات أقل ضرراً يسهل التخلص منها. هذه العملية، المعروفة بالمقاومة الأيضية، تمنح البعوض القدرة على البقاء حياً والتكاثر بعد التعرض للمبيدات. وعندما تزداد فعالية هذا الجين أو تحدث تغيرات فيه، يصبح البعوض أكثر قدرة على “إزالة سمية” المبيد، مما يقلل من فعالية الناموسيات والرشاشات الحشرية.
الأثر على برامج مكافحة الملاريا
يُعد هذا الاكتشاف الأول من نوعه الذي يحدد بوضوح العلامة الجينية المسؤولة عن المقاومة الأيضية للمبيدات في البعوض الذي ينقل طفيلي “المتصورة المنجلية”، وهو النوع الأكثر فتكاً للملاريا في غرب ووسط إفريقيا. في حين تمكنت الدراسات السابقة من رصد أشكال أخرى من المقاومة، ظل تتبع الآليات الجينية للمقاومة الأيضية تحدياً علمياً معقداً.
بفضل هذه العلامة الجينية، تمكن الباحثون من تطوير اختبار تشخيصي ميداني موثوق لرصد انتشار مقاومة المبيدات بين تجمعات البعوض المختلفة. هذا الاختبار سيمكن صانعي القرار والبرامج الصحية من اختيار أنواع الناموسيات والمبيدات الأكثر فعالية بناءً على التركيبة الجينية للبعوض في كل منطقة، مما يعزز كفاءة التدخلات الوقائية ويساهم في الجهود العالمية للحد من عبء الملاريا.
مستقبل مكافحة الملاريا
تأتي هذه الدراسة في وقت حرج، حيث شهدت جهود مكافحة الملاريا تباطؤاً ملحوظاً في العقد الأخير، ويعزى ذلك جزئياً إلى تصاعد مقاومة البعوض للمبيدات. وفهم الأساس الجيني لمقاومة المبيدات لا يساهم فقط في تحسين استخدام الأدوات الحالية، بل يساعد أيضاً في تقييم احتمالات حدوث مقاومة متقاطعة مع مبيدات جديدة قيد التطوير.
وتشير التقديرات الحديثة إلى نحو 282 مليون إصابة ومليون وفاة تقريباً في عام 2024، معظمها بين الأطفال دون سن الخامسة في إفريقيا. وبالرغم من التقدم المحرز، حيث نجحت دول عدة في القضاء على الملاريا، تظل الحاجة ملحة لتطوير استراتيجيات مبتكرة لمكافحة المرض، خاصة مع ظهور تحديات جديدة كالمقاومة الدوائية للطفيليات ومقاومة البعوض للمبيدات. هذا الاكتشاف الجيني يعد أملاً جديداً في هذه المعركة المستمرة.
ماذا بعد؟
يتطلع الباحثون إلى توسيع نطاق استخدام الاختبار التشخيصي لتحديد التركيبة الجينية للبعوض على نطاق واسع، ودعم ذلك بتطوير استراتيجيات مبيدات متكاملة. وبينما يمثل هذا الاكتشاف خطوة هامة، فإن التحدي يكمن في تعميم هذه التقنيات وضمان وصولها إلى المناطق الأكثر احتياجاً، إلى جانب مواصلة الأبحاث لفهم آليات مقاومة المبيدات الأخرى والتصدي لها بفعالية.

