بعد ثلاث سنوات من طفرة الذكاء الاصطناعي، لا تزال أسواق المال عاجزة عن حسم تقييماتها لهذه التكنولوجيا، بين كونها شديدة الإرباك أو أقل تأثيراً مما يُعتقد. ورغم تطور الذكاء الاصطناعي ليشمل مهام ذات قيمة أعلى تتجاوز روبوتات الدردشة، إلا أن الصورة لا تزال غير واضحة بشأن ما إذا كانت العوائد المالية ستعوض التكاليف الهائلة لتطوير هذه الخدمات.
تحديات نموذج الأعمال للذكاء الاصطناعي
تركز العديد من الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي حاليًا على بيع الاشتراكات الشهرية، بما في ذلك تسعير متدرج يصل إلى مئات الدولارات شهريًا لأقوى النماذج. وتستكشف شركات مثل “أوبن إيه آي” نماذج إعلانية، مستلهمة من شركات التواصل الاجتماعي، لتعزيز الإيرادات قبل طرح محتمل لأسهمها للاكتتاب العام.
تسعى شركات الذكاء الاصطناعي لإقناع قادة الأعمال بتبني تقنياتها، وقد حققت نجاحًا مبدئيًا في تبسيط البرمجة، وتسعى لتكرار ذلك في قطاعات مثل الرعاية الصحية والخدمات المالية. ورغم هذه الجهود، تواجه الشركات ضغوطًا للبحث عن قنوات إيرادات جديدة، حتى لو كانت تتعارض مع مبادئها السابقة.
حصاد الإيرادات الأولية للذكاء الاصطناعي
تنمو قاعدة مستخدمي الذكاء الاصطناعي بسرعة، حيث يضم “تشات جي بي تي” أكثر من 900 مليون مستخدم أسبوعيًا، وتجاوز تطبيق “جيميناي” 750 مليون مستخدم شهريًا. وتشهد كل من “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” زيادة حادة في المبيعات، حيث تجاوزت الإيرادات السنوية لـ”أوبن إيه آي” 20 مليار دولار في عام 2025، وتتجه “أنثروبيك” نحو تحقيق إيرادات سنوية تبلغ حوالي 20 مليار دولار.
الاستثمارات الضخمة مقابل العوائد المستقبلية
في المقابل، ترتفع التكاليف بوتيرة حادة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة، مما يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات في الرقائق ومراكز البيانات والطاقة والمواهب. وتوقعت أربع شركات تكنولوجيا كبرى نفقات رأسمالية مجمعة تبلغ حوالي 650 مليار دولار في عام 2026 لدعم استثماراتها في الذكاء الاصطناعي.
تمتد التداعيات هذه إلى ما هو أبعد من مطوري الذكاء الاصطناعي، لتشمل شركات التكنولوجيا الكبرى، ومطوري مراكز البيانات، ومزودي الطاقة، والمؤسسات المالية التي تراهن بشكل متزايد على نجاح هذه الصناعة. وقد يشكل ذلك مسار الاقتصاد الأمريكي، حيث كانت استثمارات مراكز البيانات محركًا مهمًا للنمو.
تضع هذه الالتزامات الضخمة الشركات أمام تحدٍ كبير، حيث تشير تقديرات إلى أن القطاع سيحتاج إلى حوالي تريليوني دولار من الإيرادات السنوية المجمعة بحلول عام 2030 لتمويل القدرة الحاسوبية اللازمة لتلبية الطلب المتوقع على الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، من المتوقع أن تقل الإيرادات الفعلية عن هذا المستوى.
الرهان على “الوكلاء” والمستقبل غير المؤكد
يعتمد رهان القطاع على المدى الطويل على تقديم برمجيات ذكاء اصطناعي أكثر تقدمًا، بما في ذلك “الوكلاء” القادرين على أتمتة أعمال ذات قيمة اقتصادية أعلى، لإقناع الشركات بتخصيص حصة أكبر من ميزانياتها لهذه الأدوات. ولا تزال المختبرات الرائدة تعمل على مساعدة الشركات على فهم أفضل الطرق لاستخدام منتجاتها.
تحذر “أوبن إيه آي” من وجود “فجوة قدرات” بين ما تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي تقديمه والقيمة التي تحصل عليها الشركات والأفراد منها. ويشير الرئيس التنفيذي للعمليات في “أوبن إيه آي” إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يدخل بعد بفعالية في صميم عمليات الشركات.
كما هو الحال مع طفرة شركات الإنترنت، هناك قدر هائل من عدم اليقين بشأن احتمال إعادة تشكيل التكنولوجيا الجديدة للمجتمع والجدول الزمني اللازم لذلك. وتتكرر الخلافات داخل وادي السيليكون حول ما إذا كان مطورو الذكاء الاصطناعي على وشك بناء أنظمة أقوى تتفوق على البشر، أم أنهم ما زالوا بعيدين عن ذلك.
المخاطر المحتملة: استثمارات ضخمة وقيود مادية
يمكن تقسيم المخاطر المتعلقة بالذكاء الاصطناعي إلى فئتين: الأولى تتعلق بضخامة الاستثمارات والالتزامات المالية، والقيود المادية والتنظيمية على التوسع السريع في قدرات المعالجة. أما الفئة الثانية فتتعلق بقدرة شركات الذكاء الاصطناعي على الوفاء بالوعود الكبيرة لهذه التكنولوجيا، سواء من حيث قدراتها أو من حيث استعداد الناس للدفع مقابلها على المدى الطويل.
تعتمد شركات التكنولوجيا بشكل متزايد على الديون لتمويل البناء الهائل للبنية التحتية اللازمة لتحسين الذكاء الاصطناعي ودعم اعتماده على نطاق واسع. وتتوقع “مورغان ستانلي” وصول اقتراض شركات الحوسبة السحابية العملاقة إلى 400 مليار دولار هذا العام، في تحول عن ميل القطاع سابقًا لتمويل استثماراته بالأرباح.
تتزايد الروابط بين صانعي الرقائق ومزودي الخدمات السحابية ومطوري الذكاء الاصطناعي عبر سلسلة من الصفقات، بهدف دعم التوسع الذي قد يفيد القطاع بأكمله، لكن الخشية تكمن في أنها قد تضخم الخسائر إذا خيب الطلب الآمال. كما تواجه الوكالة الدولية للطاقة مخاطر في توسع مراكز البيانات بسبب تأخر ربطها بشبكات الكهرباء، فضلًا عن التدقيق التنظيمي المتزايد.
تكمن المخاطرة في عدم التوافق الزمني؛ فشرائح الذكاء الاصطناعي تفقد قيمتها مع مرور الوقت، بينما قد تستغرق تحديثات الشبكة سنوات. وإذا تأخر ربط المشاريع بشبكة الكهرباء، قد يتحمل المشغلون تكاليف تمويل على منشآت مليئة بمعدات أصبحت متأخرة تقنياً، أو يضطرون إلى استبدال الشرائح قبل استرداد تكلفتها.
المنافسة المحتدمة والبدائل مفتوحة المصدر
حتى مع تأمين كبار مطوري الذكاء الاصطناعي للقدرة الحاسوبية الكافية، ليس من المؤكد من أو كم منهم سيجني المكاسب، نظرًا للمنافسة المحتدمة التي تتغير فيها قوائم الترتيب كل بضعة أسابيع. ورغم ولاء بعض المستخدمين، يمكن للكثيرين الانتقال بسهولة إلى أي منتج جديد يكتسب زخمًا.
تواجه الشركات الأمريكية التي تبقي البنية الداخلية لنماذجها “مغلقة المصدر” مجموعة كبيرة من النماذج الرخيصة أو المجانية التي تُتاح معاييرها علنًا. وتأتي هذه النماذج غالبًا من منافسين في الصين، حيث تشير حصة التنزيلات إلى أن النماذج المفتوحة المطورة في الصين تجاوزت المطورين الأمريكيين لأول مرة.
إذا واصلت النماذج الصينية توسيع حصتها، فقد لا يقتصر الأمر على الحد من انتشار الأدوات التي يطورها الأمريكيون، بل قد يقيد أيضًا قدرتهم على فرض أسعار أعلى عليها بمرور الوقت.
غموض العائدات والشكوك حول الإنتاجية
يبدو أن كل أسبوع يكشف شيئًا جديدًا عن الإمكانات المذهلة للذكاء الاصطناعي، لكن خوف المستثمرين يظل هو أن تنتشر هذه التكنولوجيا في كل زاوية من زوايا الاقتصاد العالمي، ومع ذلك تعجز عن إنتاج أرباح كافية لتبرير حجم الإنفاق. حتى إذا تمكن المطورون الرائدون من تأمين القدرة الحاسوبية الكافية، فإن الجدوى التجارية لا تزال تعتمد على دفع الشركات مقابل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
إحدى الحجج هي أن الشركات ستمول الاشتراكات عبر تسريح العمال، أو إبطاء التوظيف، أو تحويل الأعمال الروتينية إلى الآلات. حتى الآن، لا تزال الأدلة على تسريحات جماعية ناجمة عن الذكاء الاصطناعي محدودة، ولم يظهر اضطراب ملموس في سوق العمل الأوسع منذ إطلاق “تشات جي بي تي”.
قد يكون العائد على المدى القريب للشركات هو أن ينتج العاملون أكثر باستخدام الذكاء الاصطناعي، بدلاً من خفض تكاليف العمالة. جاءت المؤشرات الأولية متباينة؛ فبعض الدراسات وجدت أن التكنولوجيا رفعت إنتاجية العاملين بنحو 15%، بينما وجدت تجارب أخرى أن المطورين استغرقوا وقتًا أطول لإنجاز المهام عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
تحسنت وكلاء البرمجة المعتمدون على الذكاء الاصطناعي بشكل ملموس، مما ساعد على تغيير الطريقة التي يكتب بها المطورون الشيفرة ويصححونها. ومع ذلك، لا تزال الأدلة محدودة على أن اعتماد الذكاء الاصطناعي يؤدي إلى دفعة إنتاجية واسعة النطاق عبر مختلف القطاعات.
*هذا المحتوى من “اقتصاد الشرق مع بلومبرغ“.

