تستعر المنافسة في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، حيث أغرقت مختبرات الذكاء الاصطناعي الصينية السوق بسلسلة من النماذج القوية الجديدة. هذه الخطوة، التي رصدتها صحيفة “فاينانشال تايمز”، تعكس تصعيدًا واضحًا للمنافسة بين الشركات الصينية الرائدة في مجال التكنولوجيا، مما يشير إلى تغيرات محتملة في المشهد العالمي لتطوير هذه التقنية المتنامية.
خلال عطلة رأس السنة القمرية، كشفت شركات عملاقة مثل ByteDance (بايت دانس) و Alibaba (علي بابا) و Moonshot (مون شوت) عن أحدث نماذجها، بالتزامن مع عروض ترويجية وحوافز لجذب المستخدمين. يأتي ذلك في وقت تتزايد فيه أهمية الخدمات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في حياتنا اليومية.
سباق النماذج الصينية يتجاوز التوقعات
أكد باحثون متخصصون في مجال الذكاء الاصطناعي، مثل ريتويك جوبتا من جامعة كاليفورنيا-بيركلي، أن موجة الإصدارات الجديدة تؤكد “تصاعد القدرة التنافسية” للمختبرات الصينية. يشير جوبتا إلى أن هذه المختبرات أصبحت أكثر مهارة في بناء نماذج مفيدة لتطوير التطبيقات، حيث تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة لبناء المنتجات، بخلاف نظيرتها الأمريكية التي تركز أولاً على الهيمنة على النماذج المتقدمة.
برز نموذج “بايت دانس” الجديد لتوليد الفيديو، Seedance 2.0، كإشارة قوية لقدرات الصين المتزايدة. يثير هذا النموذج قلقًا في هوليوود نظرًا لقدرته على إنتاج مقاطع متعددة المشاهد بواقعية عالية. وصف الخبراء هذه الأداة بأنها “لحظة DeepSeek” في مجال توليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي، في إشارة إلى شركة DeepSeek الصينية التي قدمت نموذجًا لغويًا كبيرًا اعتبر اختراقًا مهمًا.
استغلت شركات الذكاء الاصطناعي الصينية عطلة رأس السنة القمرية، فترة تعتبر حاسمة لاعتماد المنتجات التقنية، نظرًا للوقت الإضافي المتاح للمستهلكين لاختبار هذه المنتجات واستكشافها.
قدمت Alibaba نموذجها الجديد Qwen 3.5، بالتزامن مع تعهد بالإنفاق لدعم المستخدمين. سارع المستخدمون للاستفادة من العروض والهدايا المجانية، مما أربك بعض المتاجر. كما قدمت شركات مثل Tencent و Baidu هدايا عبر تطبيقاتها لتعزيز التنزيلات.
تميز نموذج Alibaba الجديد بتصميمه للمطورين الذين يبنون “وكلاء ذكاء اصطناعي”، وهي أنظمة تعمل بشكل مستقل لإنجاز مهام معقدة. من المتوقع أيضًا أن تطلق DeepSeek نموذجها المرتقب، بعد أن أبهرت السوق بنموذج لغوي كبير تم تطويره بكفاءة حاسوبية عالية.
الاستثمار والابتكار في الذكاء الاصطناعي الصيني
يشير اتجاه الصين نحو الاستثمار المكثف في بناء نماذج رائدة يسهل على المطورين نشرها بتكلفة منخفضة إلى سعي الشركات الصينية لتجاوز نظيراتها الأمريكية في مجال التطوير “المفتوح”.
تستقطب الشركات الصينية المطورين الذين قد يكونون مستائين من قيود الاستخدام والضوابط المشددة التي تفرضها شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية. طرحت Moonshot نموذجها Kimi 2.5 كمصدر مفتوح، مما يتيح للمطورين تشغيله بسهولة.
لقد سارعت Moonshot إلى استغلال الفرص التي خلفتها المنافسة، حيث وفرت حزم أدوات انتقال للمطورين للانتقال من نماذج OpenAI إلى نموذج Kimi.
تشير تقارير إلى أن المستخدمين يختارون بشكل متزايد الأنظمة الصينية مفتوحة المصدر، وذلك حسب مسؤول تنفيذي في شركة Perplexity الأمريكية. تتيح هذه الأنظمة للمستخدمين التبديل بين نماذج أساسية مختلفة.
انتقادات وتحديات تواجه نماذج الذكاء الاصطناعي
في حين لاقت نماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة إقبالًا، واجهت بعض هذه الأدوات انتقادات سريعة. طالبت جمعية السينما الأمريكية شركة ByteDance بوقف ما وصفته بـ “انتهاك حقوق الملكية الفكرية”، بعد استخدام مواد محمية بحقوق ملكية فكرية في مقاطع فيديو تم إنشاؤها باستخدام نموذج Seedance.
أصدرت ByteDance بيانًا أكدت فيه اتخاذ خطوات لتعزيز إجراءات الحماية لمنع “الاستخدام غير المصرح به للملكية الفكرية”.
يرى الخبراء أن أداة ByteDance تمثل “نقلة نوعية” مقارنة بالنماذج السابقة التي كانت تعاني من صعوبة في التعامل مع تعقيد المشاهد. وقد انتشرت مقاطع فيديو تعرض حوارات فلسفية طريفة حول التصوير والفن في عصر الذكاء الاصطناعي.
يبقى مستقبل نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية قيد التطور، مع التركيز المتزايد على الابتكار المفتوح والاستجابة لاحتياجات المطورين. ومع ذلك، فإن التحديات المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية والاستخدام المسؤول لا تزال تشكل نقاطًا حاسمة للمراقبة.

