تغير المزاج الأوكراني: الحرب تزيد الإصرار على ضمانات أمنية
في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، تشهد المواقف الأوكرانية تحولاً نحو البراغماتية، مع تركيز متزايد على ضرورة الحصول على ضمانات أمنية قوية قبل أي تسوية. فبعد سنوات من الصراع، وبعد أن فقدت العائلات مثل فياتشيسلاف وتيتيانا نستور في زابوريجيا، أفراداً عزيزين مثل ابنهما فاديم الذي قتل في ماريينكا، لم تعد صفارات الإنذار تثير الذعر، بل أصبح التحدي الأكبر هو البقاء دافئين وسط انقطاع الكهرباء بفعل الضربات الروسية على البنية التحتية للطاقة. وفي هذا السياق، يبدو أن جهود التفاوض لإنهاء الحرب، مثل تلك التي تقودها الولايات المتحدة، لا تحظى بالاهتمام المنشود، حيث يتركز السؤال الأساسي لدى الأوكرانيين: “ما الذي سيمنع العدوان الروسي في المستقبل؟”.
يؤكد المصدر أن روسيا تربط السلام بتقديم تنازلات عن الأراضي الأوكرانية، ومن ضمنها زابوريجيا. ويشكل مستقبل المناطق الشرقية الغنية بالموارد، بالإضافة إلى الأراضي الأخرى التي تحتلها موسكو وتطالب بضمها، تحدياً مركزياً في محادثات السلام. ومع اقتراب الذكرى السنوية الرابعة للحرب الشاملة التي بدأت في فبراير 2022، تكبدت القوات الروسية خسائر بشرية مروعة، حيث تشير تقديرات إلى ما يقرب من 1.2 مليون قتيل وجريح، مع مكاسب هامشية على مدار العام الماضي. وعلى الرغم من هذه الخسائر، لا يزال غالبية الأوكرانيين يرفضون التنازلات الإقليمية، حتى في المناطق المتضررة بشدة مثل دونيتسك ولوهانسك.
الحاجة إلى ضمانات أمنية قوية
ويشير أنطون غروشيتسكي، المدير التنفيذي لمعهد كييف الدولي لعلم الاجتماع، إلى وجود مشكلتين رئيسيتين تمنعان قبول صفقة سلام تقوم على تبادل الأراضي مقابل ضمانات أمنية. تتمثل المشكلة الأولى في انخفاض الثقة تجاه روسيا، مع توقعات بأنها ستهاجم أوكرانيا مرة أخرى بعد أي وقف لإطلاق النار. والمشكلة الثانية هي انخفاض الثقة في الحلفاء الغربيين، حيث لا يجد الأوكرانيون وعوداً منفردة، حتى من شخصيات مؤثرة، كافية لمنع العدوان المستقبلي. معظم الأوكرانيين لا يتوقعون اختراقات كبيرة من المفاوضات الحالية، بل يتوقعون استمرار الحرب لأشهر أو سنوات.
ويظل الاعتراف الرسمي بالأراضي المحتلة كأراضٍ روسية خطاً أحمر، وترفض الغالبية العظمى أي خطة سلام تستند مباشرة إلى المطالب الروسية. وتشير الاستطلاعات إلى أن نسبة قليلة جداً من الأوكرانيين يؤيدون اقتراحاً يتضمن الانسحاب من دونباس والاعتراف بالأراضي المحتلة ونزع السلاح. ومع ذلك، يلاحظ عالم الاجتماع غروشيتسكي زيادة في قبول فكرة “تجميد” خط المواجهة، حتى بدون قوات حفظ سلام، ولكن هذا القبول مشروط بدعم قابل للتنفيذ من أوكرانيا، يتجسد في أنظمة الأسلحة والذخيرة المحددة، وليس مجرد وعود مالية.
دروس مستفادة من المفاوضات السابقة
يعزو إصرار الأوكرانيين على ضمانات أمنية ذات مغزى إلى دروس مستفادة من التاريخ والمفاوضات السابقة. ويرى ميخائيل بودولياك، مستشار مكتب الرئاسة الأوكرانية، أن النجاح في أي مفاوضات يعتمد على تقييم واضح لسلوك روسيا، مشيراً إلى أن روسيا ليست مهتمة بالتسوية في هذه المرحلة، حيث تدعم الحرب السلطة السياسية للكرملين وبقاءه الاقتصادي وأهميته العالمية. ويعتقد بودولياك أن روسيا لا تنوي وقف الحرب على المدى القريب ما دامت تحقق أهدافها.
يبقى السؤال الذي يشغل بال الأوكرانيين هو ما الذي سيمنع العدوان الروسي في المستقبل، وهو سؤال يطرح نفسه بقوة في ظل استمرار الصراع. فإذا استمرت روسيا في سعيها لفرض أمر واقع داخلياً وخارجياً، دون وجود ضمانات كافية، فإن الطريق نحو سلام دائم سيبقى محفوفاً بالمخاطر والتحديات، مع استمرار العائلات الأوكرانية في دفع الثمن الباهظ لهذا العدوان.

