
بقلم: عماد بدري الشامي
يعتقد كثيرون أن الأزمات مجرد فترات صعبة تمر على الناس والدول والشركات، وأن دورها يقتصر على تعطيل الخطط وإرباك الحياة وإحداث الخسائر. لكن الحقيقة أن للأزمات دورًا آخر أكثر عمقًا وتأثيرًا. فالأزمات لا تهدم فقط، بل تكشف.
كل شيء في الحياة له أكثر من جانب. هناك الجيد والسيئ، الإيجابي والسلبي، الظاهر والخفي. وهناك أمور لا تظهر حقيقتها في أوقات الهدوء والاستقرار، بل تحتاج إلى لحظات الضغط حتى تنكشف على حقيقتها. ولهذا يمكن اعتبار الأزمات نوعًا من الاختبار العملي الذي يُظهر ما كان مستترًا.
الأزمة الأخيرة التي شهدتها المنطقة العربية بشكل عام، ودولة الإمارات العربية المتحدة بشكل خاص، وما رافقها من توترات واستهدافات وأحداث متسارعة، كشفت الكثير من الأمور المهمة. لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل كانت درسًا واسعًا يتوجب التوقف أمامه بجدية.
كشفت من كان يعتمد على خطط حقيقية، ومن كان يعتمد على الحظ. كشفت من كان يعمل وفق رؤية طويلة المدى، ومن كان يعيش يومه فقط. كشفت جهات بنت أنظمة قوية، وأخرى اعتمدت على حلول مؤقتة لا تصمد أمام أول اختبار.
وعندما نتحدث عن الحكومات، فإن بعض الدول قدمت نماذج استثنائية في إدارة الأزمات. وإذا كانت هناك مدرسة يمكن للكثيرين التعلم منها، فإن دولة الإمارات قدمت خلال السنوات الماضية نموذجًا عمليًا في المرونة وسرعة التحرك وإدارة المتغيرات والتخطيط الاستباقي. فإدارة الأزمات ليست فقط رد فعل عند وقوع المشكلة، بل قدرة على الاستعداد قبل حدوثها أصلًا.
أما على مستوى الشركات، فقد ظهرت دروس لا تقل أهمية:
- تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على نشاط واحد فقط.
- العمل بأكثر من اتجاه وعدم حصر الفرص في مسار واحد.
- إنشاء صناديق احتياطية للطوارئ والأزمات.
- وضع خطط بديلة حقيقية وليست نظرية فقط.
- الاستثمار في التكنولوجيا والمرونة التشغيلية.
- إعداد فرق قادرة على العمل في الظروف الاستثنائية.
أما على مستوى الأفراد، فقد كانت الأسئلة أصعب:
كم شخص اكتشف أن دخله بالكامل مرتبط بمصدر واحد؟
كم شخص أدرك متأخرًا أنه لا يملك أي مدخرات للطوارئ؟
كم شخص كان يعيش وفق مبدأ “دخل اليوم لليوم” دون أي استعداد للمفاجآت؟
الأزمات كشفت أن الأمان لا يعني فقط وظيفة أو دخلًا ثابتًا. بل قد يكون الأمان الحقيقي في امتلاك مهارات متعددة، وبدائل مختلفة، وقدرة على التكيف، وصندوق طوارئ، وعلاقات إنسانية ومهنية حقيقية.
كما كشفت شيئًا آخر لا يقل أهمية… البشر أنفسهم.
كشفت من يقف معك وقت الشدة، ومن يختفي. كشفت من يقدم الدعم الحقيقي، ومن يكتفي بالكلام. كشفت من يبني علاقاته على المبادئ، ومن يبنيها على المصالح.
وربما لهذا السبب لا تكون الأزمات سيئة بالكامل. نعم، قد تكون مؤلمة ومكلفة، لكنها أحيانًا تمنح الإنسان رؤية أوضح من سنوات طويلة من الاستقرار.
لأن بعض الحقائق لا تظهر في أوقات الراحة.
الأزمات… لا تصنع الواقع، بل تكشفه.
