كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في بريطانيا، ونشرت في دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم، أن سلوك العزل الذاتي عند الإصابة بمرض معد قد يكون كافياً بحد ذاته لتغيير مسار أي وباء، حتى لو لم يكن لدى الشخص المصاب مستوى عالٍ من الإيثار أو الاهتمام بمصلحة الآخرين.
وأدت النتائج إلى وصف العزل الذاتي بأنه سلوك عقلاني ومنطقي، حتى من منظور فرد لا يعتبر مصلحة الآخرين أولوية قصوى. يعتمد الحد من انتشار الأمراض المعدية بشكل أساسي على تقليل المخالطة الاجتماعية، لكن هذا السلوك يبدو ظاهرياً بلا فائدة صحية مباشرة للشخص المصاب نفسه، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول حجم الاهتمام بالآخرين الذي يدفع الفرد للتضحية بجزء من حريته الاجتماعية عند تعرضه للخطر.
العزل الذاتي: سلوك عقلاني أم إيثار؟
للإجابة عن هذا السؤال، استخدم الباحثون نموذجاً رياضياً لسلوك الأوبئة، مستندين إلى نظرية الألعاب، لمحاكاة كيفية اتخاذ الأفراد لقراراتهم في ظل تفشي مرض معد. هدف الدراسة هو فهم الدوافع الكامنة وراء تبني سلوك العزل الاجتماعي، وما إذا كانت الفوائد الشخصية، وإن كانت غير مباشرة، كافية لتبرير هذا السلوك.
نظرية الألعاب تكشف منطقية العزل
أظهر النموذج الذي طوره باحثون بجامعة وارويك في بريطانيا، أن الأشخاص الذين يتمتعون بحد أدنى من الإيثار والاهتمام بالآخرين سيجدون من المنطقي تقليل تواصلهم الاجتماعي بشكل جذري عند إصابتهم. عندما يتبنى عدد كافٍ من الأفراد هذا السلوك، يمكن تقليص انتقال العدوى بشكل كبير، بل ومنع اندلاع موجات وبائية واسعة النطاق من الأساس.
وقام الباحثون بتحليل مجموعة واسعة من العوامل المؤثرة في القرار الفردي. شملت هذه العوامل حالة الإصابة (مصاب، غير مصاب)، حجم التفشي، معدل انتقال العدوى، نسبة الحالات غير المصحوبة بأعراض، التكاليف الصحية المترتبة على المرض، والأعباء الاجتماعية والاقتصادية للتباعد الاجتماعي، بالإضافة إلى التوقعات المتعلقة بتوفر لقاح مستقبلي.
مساران مستقران للوباء
من خلال دراسة التفاعل المعقد بين هذه العوامل، توصل الباحثون إلى وجود مسارين محتملين ومستقرين للوباء، يُعرفان في نظرية الألعاب بمفهوم “توازنات ناش”. الأول هو مسار “الكبح غير المحدود”، حيث يختار المصابون عزل أنفسهم بدرجة كافية مدفوعين بإيثار بسيط، مما يؤدي إلى كبح المرض على المدى الطويل. يسمح هذا المسار لغير المصابين بمواصلة حياتهم بشكل طبيعي نسبياً.
أما المسار الثاني، فيتمثل في امتناع المصابين عن العزل، مما يضطر غير المصابين إلى تحمل عبء التباعد الاجتماعي لحماية أنفسهم. يستمر انتشار المرض في هذا المسار حتى تتكون مناعة جماعية عبر العدوى الواسعة، وهو ما قد يؤدي إلى خسائر أكبر بكثير في الأرواح والاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية. المفارقة الأكبر تكمن في أن الفاصل بين هذين المسارين المستقرين ليس سوى مستوى الإيثار في المجتمع.
العتبة المنخفضة للإيثار
أظهرت الدراسة أن العتبة المطلوبة للحفاظ على كبح طويل الأمد للمرض منخفضة للغاية. وفقاً للنموذج، يكفي قدر ضئيل من الاهتمام بالآخرين لجعل مسار “الكبح غير المحدود” خياراً مستقراً، بديلاً عن سيناريو المناعة الجماعية الذي ينطوي على المزيد من الوفيات والاضطرابات. هذا يعني أن عدداً أقل من الأفراد سيصابون وسيموتون، وسيكون الاضطراب الاجتماعي والاقتصادي أقل حدة.
وتؤكد الدراسة أن هذه النتيجة قوية وتصمد حتى في ظل ظروف معقدة. وتشمل هذه الظروف وجود نسبة كبيرة من الحالات غير المصحوبة بأعراض، أو تصرف بعض الأفراد بأنانية كاملة، أو حتى وجود توقعات بوصول لقاح في المستقبل. هذا يعزز من قيمة السلوك الوقائي الفردي بغض النظر عن المتغيرات الخارجية.
تداعيات على الصحة العامة والسلوك التطوري
يرى الباحثون أن هذه النتائج توفر أساساً نظرياً قوياً لصانعي السياسات الصحية. يساعد هذا الأساس في فهم متى ولماذا تنجح رسائل الصحة العامة التي تحث على “البقاء في المنزل لحماية الآخرين” في التأثير على سلوك الأفراد. كما قد يعكس السلوك المتوقع من النموذج، وهو انسحاب المصاب مؤقتاً من التفاعل الاجتماعي، نمطاً تطورياً لدى الكائنات الاجتماعية. فقد لوحظ في العديد من الأنواع الحيوانية أن الأفراد المرضى يقللون نشاطهم أو يبتعدون عن المجموعة، مما قد يكون آلية غير مقصودة للحد من انتشار العدوى بين الأقارب.
خلصت الدراسة إلى نتيجة مفادها أن العزل الذاتي ليس مجرد واجب أخلاقي، بل يمكن اعتباره خياراً عقلانياً حتى بالنسبة للأفراد الذين لا يمتلكون نزعة إيثارية قوية. فبحسب النموذج، لا يتطلب الأمر أن يكون الفرد مثالياً أخلاقياً ليساهم بفعالية في وقف انتشار مرض معد. إن مجرد وجود حد أدنى من الاهتمام بالآخرين يمكن أن يقود المجتمع نحو مسار وبائي أكثر أماناً واستقراراً.
ما التالي؟
تشير النتائج إلى أهمية تعزيز الوعي بأن السلوك الوقائي الفردي له فوائد مجتمعية واسعة. ومع ذلك، تظل هناك حاجة لمزيد من الأبحاث لفهم كيفية تأثير العوامل الثقافية والاقتصادية المختلفة على تبني سلوك العزل الذاتي، وكيف يمكن تصميم حملات الصحة العامة لتكون أكثر فعالية في المجتمعات المتنوعة. كما أن مراقبة مدى التزام الأفراد بالعزل الذاتي في الأوبئة المستقبلية، وتقييم تأثير ذلك على مسار الوباء، سيكون أمراً حاسماً.

