بعد مرور حوالي عشرة أشهر على مشاهدة فيلم “Sinners”، يعود الناقد الفني ليقيم هذا العمل السينمائي المثير للجدل، والذي حقق شهرة واسعة وترشيحات قياسية لجوائز الأوسكار، متسائلاً عما إذا كان يستحق كل هذا الاهتمام. الفيلم، الذي يمزج بجرأة بين الموسيقى التصويرية الجذابة ومشاهد مصاصي الدماء المرعبة، يثير إحساساً بـ “متعة محرمة” لدى المشاهد.
“Sinners” ليس مجرد فيلم مسلٍ، بل هو ظاهرة سينمائية لافتة، بالنظر إلى ترشحه لـ 16 جائزة أوسكار، وهو رقم قياسي لم يسبق له مثيل في تاريخ السينما. هذا العدد الكبير من الترشيحات يثير نقاشاً حول جدارته بأن يكون أفضل أفلام عام 2025، ويستحق بجدارة لقب أعظم أفلام السينما.
هل يستحق “Sinners” الأوسكار؟
على الرغم من أن “Sinners” يظل فيلماً ممتعاً ومرعباً، إلا أن السؤال حول ما إذا كان يستحق قمة الترشيحات الأوسكارية يظل مطروحاً. بالنظر إلى الأفلام التي حصلت على أكبر عدد من الترشيحات أو الجوائز في الماضي، نجد أن أفلاماً مثل “All About Eve”، “Titanic”، و”La La Land” لم تصل إلى قائمة أفضل 100 فيلم في التاريخ. كما أن الأفلام التي فازت بـ 11 جائزة أوسكار مثل “Ben-Hur” و”Titanic” و”Lord Of The Rings: The Return Of The King” لا تُعد من الأعمال الخالدة.
ومع ذلك، يمتلك “Sinners” مقومات قوية للفوز بنصيب الأسد في حفل توزيع جوائز الأوسكار، نظراً لغياب منافس حقيقي له، باستثناء “One Battle After Another” الذي قد يواجه جدلاً بسبب محتواه الثوري. فيلم “Hamnet”، رغم جماله البصري، أُعرب عن أنه ثقيل الوطأة، بينما يُعتبر “The Secret Agent” أفضل عمل مرشح ولكنه أجنبي، مما قد يؤثر على أصواته.
الحسنات والمزايا الفنية والفكرية في “Sinners”
لا يخلو “Sinners” من الحسنات والمزايا الفنية والفكرية التي تستحق التقدير. يعتمد الفيلم بشكل أساسي على عنصرين جذابين للجماهير: الموسيقى الشعبية والرعب. يضاف إلى ذلك، معالجته لقضية معاناة الأمريكيين الأفارقة في فترة صعبة من ثلاثينيات القرن الماضي، وتنامي العنف ضد الأقليات الملونة.
تبدأ حبكة الفيلم بأسطورة أفريقية حول قدرة الموسيقيين على فتح البوابة بين الأحياء والأموات. هذه الفكرة تتجلى في قصة مراهق موسيقي موهوب، ابن قس محافظ، يذهب لإحياء حفل افتتاح ملهى جديد، ليكتشف أن الشيطان قد أرسل أحد أعوانه، وهو مصاص دماء، ليسطو على روحه.
تُعد هذه الفكرة مجرد الشرارة التي انطلق منها الفيلم، حيث يتشكل باقي العمل من مزيج من التأليف والتوليف، مما ينتج عنه عمل فني فريد بالرغم من تشابهه مع أعمال أخرى. يعترف مخرج الفيلم، رايان كوجلر، بتأثره بأعمال كوينتن تارانتينو وروبرت رودريجز، خاصة فيلم “From Dusk Till Dawn” الذي مزج بين نوعين فنيين مختلفين. كما استلهم كوجلر عناصر من فيلم “The Faculty” لرودريجز في مزجه بين أفلام الطلبة والخيال العلمي والرعب.
مصدر إلهام آخر لكوجلر هو فيلم “Get Out” لجوردان بيل، الذي ربط بين اضطهاد الأمريكيين الأفارقة ومصاصي الدماء. يعيد كوجلر تدوير هذه الفكرة في “Sinners” من خلال شخصية الشيطان وأعوانه البيض، بينما يقف الأمريكيون الأفارقة والأصليون في موقف الضحايا والمتصدين.
ترفيه له معنى
يواصل كوجلر دمج أنواع فنية وأساليب متعددة ليصنع تركيبته الفريدة، من الفيلم الـEpic إلى الفيلم الغنائي الاستعراضي. المهم أن هذا الخليط متآلف، مألوف، وغريب في الوقت نفسه، ومتجانس وشهي المذاق. يتميز كوجلر بقدرته على إضفاء معنى ومغزى على أفلامه الترفيهية، كما يتضح في أعماله السابقة مثل “Black Panther” و”Black Panther: Wakanda Forever”.
“Sinners” محمل بطبقات من الأفكار، بما في ذلك الأسطورة الشعبية حول الموسيقى وقدراتها الروحية، والتي تتقاطع مع بعض الأفكار الدينية حول الموسيقى كوسيلة للإصلاح أو الإفساد. تمزج موسيقى الأمريكيين الأفارقة بين الإيقاعات الأفريقية القوية وألحان موسيقى الريف الأمريكي، ويلعب “Sinners” بذكاء على هذا الجدل.
من الجانب الأنثروبولوجي والديني، ينتقل كوجلر إلى الجانب النفسي عبر جو الرعب الذي يهيمن على الفيلم. يتجلى هذا الرعب في استحضار الموسيقى للأشباح والشياطين الداخلية للشخصيات، ممثلة في العنف والإبادة التي تهدد الأقليات، وهو رعب ينعكس على الشخصيات البيضاء التي تخشى الحضور الموسيقي والثقافي الأفريقي وتحاول قمعه.
الرعب كمجاز سياسي
يُعد الرعب في الفيلم مجازاً نفسياً للوضع الإنساني والاجتماعي، للحروب الداخلية والخارجية والعنف. ينبع هذا الرعب من الواقع النفسي/الاجتماعي/السياسي، وليس من فراغ.
يخصص رايان كوجلر حوالي 40 دقيقة من زمن الفيلم الطويل (140 دقيقة) للتمهيد لظهور الرعب، بعد تعرّف المشاهد على الفترة التاريخية وطبيعة الحياة في مدينة ريفية تسكنها أقلية سوداء. الفيلم يرسم لوحة داكنة كئيبة للفترة التاريخية، يغلب عليها اللون الأحمر والأسود والأصفر.
يستخدم كوجلر أسلوباً كلاسيكياً في الإخراج، يركز على الشاشة العريضة واستعراض الأفق والطبيعة، مما يمنح الرعب حضوراً عقلياً أكثر منه جسدياً، ويرتقي بالفيلم فوق مستوى أفلام الرعب التجارية.
في النهاية، قد لا يرقى “Sinners” إلى مصاف الأعمال العظيمة الخالدة، ولكنه فيلم “عصري” جداً ومناسب لجمهور المرحلة. بالنظر إلى مستوى الأفلام المنافسة، فمن المحتمل أن يحصد “Sinners” العديد من جوائز الأوسكار.
* ناقد فني

