بدأت البنوك البريطانية يوم الخميس أولى خطواتها نحو تأسيس بديل وطني لشبكات الدفع العالمية “فيزا” و”ماستركارد”، وذلك وسط مخاوف متزايدة بشأن إمكانية تعرض أنظمة المدفوعات الحالية للاضطراب بسبب التهديدات المحتملة من قوى خارجية، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة. يتجاوز هذا التحرك مجرد التنافس التجاري ليلامس الأمن الاقتصادي لبريطانيا، مع تزايد الاعتماد على البنية التحتية الرقمية.
عُقد الاجتماع برئاسة فيم مارو، الرئيس التنفيذي لـ “باركليز” في بريطانيا، وضم مجموعة من أبرز ممولي القطاع المالي في “السيتي”، الذين سيتولون مسؤولية تمويل وإنشاء شركة مدفوعات جديدة. يهدف هذا المشروع، المعروف باسم “دليفري كو” (DeliveryCo)، إلى ضمان استمرارية عمل الاقتصاد البريطاني في أوقات الأزمات المحتملة، والحفاظ على سيادة وطنية في قطاع حيوي.
بناء نظام دفع سيادي بريطاني
يأتي تأسيس نظام دفع وطني كاستجابة لمخاوف حقيقية تتجاوز مجرد الاحتمالات النظرية. يعكس هذا التحرك قلقًا بشأن الاعتماد المفرط على شركات أمريكية في إدارة جزء كبير من مدفوعات البلاد، وهو ما قد يشكل نقطة ضعف في ظل تقلبات العلاقات السياسية الدولية. تسعى بريطانيا إلى تأمين مسار دفع إضافي ليمنحها مرونة أكبر وقدرة على الصمود في وجه أي اضطرابات تشغيلية أو سياسية قد تهدد تدفق المعاملات المالية.
قال أحد التنفيذيين المطلعين على المشروع لصحيفة “الجارديان” إن أي تعطيل لخدمات “ماستركارد” و”فيزا” من شأنه أن يعيد الاقتصاد البريطاني إلى عصور سابقة، حيث كان الاعتماد الأساسي على المعاملات النقدية. وأضاف أن الحاجة ماسة لنظام دفع سيادي يضمن استمرارية الخدمات المالية بغض النظر عن الظروف الخارجية.
وتؤكد تقارير صادرة عن هيئة تنظيم أنظمة المدفوعات في بريطانيا عام 2025 أن نحو 95% من معاملات البطاقات في البلاد تمر حاليًا عبر أنظمة مملوكة لـ “ماستركارد” و”فيزا”. وتزايدت أهمية هذا الاعتماد مع استمرار تراجع استخدام النقد في المعاملات اليومية، مما يضاعف الأثر المحتمل لأي اضطراب.
دوافع المشروع وأبعاده
كانت فكرة إنشاء نظام دفع وطني مطروحة للنقاش منذ سنوات، لكن أحداثًا سياسية حديثة، مثل تحذيرات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لحلفاء الولايات المتحدة، قد زادت من إلحاح المبادرة. فالتجربة الروسية، حيث أدت العقوبات إلى توقف خدمات “فيزا” و”ماستركارد” وتأثيرها على المواطنين، تعتبر درساً قاسياً للمخاطر المحتملة. لذا، أصبح بناء بديل وطني ضرورة ملحة لضمان استقرار الاقتصاد البريطاني.
وكما أشارت سارة بريدن، نائبة محافظ بنك إنجلترا، فإن نظام المدفوعات الجديد سيوفر “قدراً إضافياً من المرونة” أمام بريطانيا في مواجهة التحديات والمخاطر السيبرانية والتشغيلية المتغيرة، ويعمل كمسار دفع احتياطي في الحالات النادرة للاضطراب.
ويدعم مشروع “دليفري كو” (DeliveryCo) الحكومة البريطانية، ومن المتوقع أن يتم تشغيله بحلول عام 2030. سيتولى ممولو القطاع المالي وضع الهيكل القانوني وخطط القيادة والنماذج المالية، بينما سيقوم البنك المركزي بإعداد مخططات البنية التحتية التي ستقدم للمجموعة العام المقبل.
وفي هذا السياق، أبدى كل من “ماستركارد” و”فيزا” التزامهما بالسوق البريطانية وترحيبهما بالمنافسة. وصرحت “فيزا” بأنها تسعى لتوفير خدمات دفع رقمية مبتكرة وآمنة للمستهلكين والشركات، معربة عن اعتقادها بأن المنافسة ستعزز الخيارات والابتكار والنمو الاقتصادي في بريطانيا. كما أكدت “ماستركارد” استثماراتها المستمرة في بريطانيا والتزامها بدفع عجلة التجارة.
تتشابه المخاوف التي أثيرت في بريطانيا مع تلك الموجودة في الاتحاد الأوروبي، حيث يدعو بعض السياسيين إلى بناء شبكات دفع محلية لا يمكن تعطيلها بقرارات خارجية مفاجئة. وقد حذرت رئيسة لجنة الشؤون الاقتصادية والنقدية في البرلمان الأوروبي، أورور لالوك، من أن “ترامب يمكن أن يوقف كل شيء”، داعيةً إلى مشروع أوروبي لأنظمة الدفع.
ما هو التالي؟
تستمر المناقشات حول بدائل الدفع الوطنية، ومن المتوقع أن يقدم البنك المركزي البريطاني المخططات الأولية للبنية التحتية بحلول العام المقبل. وبينما تعمل “فيزا” و”ماستركارد” ضمن إطار المبادرة، تظل الاستراتيجية التفصيلية لتطبيق النظام الجديد ومعايير التشغيل المستقبلية، بالإضافة إلى ضمان استقلاليته عن أي تأثيرات خارجية، نقاطًا للمتابعة والتقييم.

