يتجه المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الثلاثاء، في أول زيارة له إلى الصين منذ توليه المنصب، لبحث تعزيز العلاقات التجارية مع بكين. تتصدر أجندة الزيارة ملف احتواء “صدمة الصين” وتداعياتها المتزايدة على الصناعة الألمانية، وهو ما يشكل أولوية قصوى للمستشار، وفقاً لتقرير نشرته مؤخراً صحيفة “بوليتيكو”.
لسنوات، كانت ألمانيا محركاً رئيسياً لتعميق العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والصين، بناءً على مبدأ “التغيير عبر التجارة” (Wandel durch Handel). جادل القادة الألمان بأن تعزيز الروابط التجارية سيساهم في تحقيق استقرار سياسي في بكين. وقد بدا هذا النهج ناجحاً على الصعيد الاقتصادي، حيث حققت ألمانيا فوائض تجارية كبيرة وزودت الصين بمكونات وآلات حيوية ساهمت في نموها الاقتصادي، مع استثمارات ضخمة من عمالقة الصناعة الألمانية مثل فولكسفاجن وباسف.
صدمة الصين: تحول في العلاقات التجارية
لكن المشهد التجاري شهد تحولاً جذرياً، حيث يدعو العديد من قادة الصناعة الألمان المستشار ميرتس لاتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه الصين، محذرين من “صدمة الصين”. منذ بدء جائحة فيروس كورونا، تحول الفائض التجاري الألماني إلى عجز هائل بلغ 90 مليار يورو في عام 2025. وتُحمل بكين مسؤولية جزء كبير من فقدان الوظائف المتزايد في قطاع التصنيع الألماني الحيوي.
يجد ميرتس، المعروف بمواقفه التقليدية المؤيدة للأطلسي، نفسه أمام تحدٍ معقد. ففي ظل التوترات التجارية مع الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب، والتي لا تخلو من مفاجآت، لا يبدو التوجه نحو واشنطن خياراً عملياً. هذا يضع على عاتق ميرتس مهمة إيجاد صيغة جديدة للتعامل مع الزعيم الصيني شي جين بينج.
وقد وصف الخبير المخضرم في الشأن الصيني، يورج فوتكه، الذي قدم إحاطة للمستشار قبيل زيارته، استعداد ميرتس للمحادثات بأنه “جيد جداً”. ووصف فوتكه لقاء ميرتس بالخبراء بأنه تميز بتركيز المستشار على طرح الأسئلة وتدوين الملاحظات، مع أولوية عرض المشكلات بطريقة تلقى صدى لدى الرئيس الصيني.
أوراق الضغط في مفاوضات التجارة
تبدو الصين في موقف قوي، حيث أصبحت ألمانيا تعتمد بشكل متزايد على المواد الخام الأساسية المستوردة منها، مما يمنح بكين القدرة على التأثير على الصناعة الألمانية. ورغم سعي برلين لتقليل هذا الاعتماد، فإن هذه العملية ستستغرق سنوات.
يُحذر قادة الصناعة الألمان من أن هذا التأخير قد يؤدي إلى ضرر كبير، مع تراجع الشركات الألمانية أمام المزايا السعرية الصينية المدعومة حكومياً والإغراق المتعمد. ويقر ميرتس بأن ألمانيا لا ينبغي أن تعيش “أوهاماً” بشأن طموحات الصين في فرض نظام عالمي جديد وفقاً لقواعدها.
ويشير أندرو سمول، مدير برنامج آسيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إلى أن زيارة ميرتس تأتي في “أسوأ توقيت ممكن” نظراً لتأثير “صدمة الصين” على الاقتصاد الألماني، مع عدم وجود توقعات بتحسن الأوضاع الاقتصادية.
آفاق الزيارة والخطوات القادمة
تُشبه هذه الزيارة رحلات سابقة لمسؤولين ألمان، حيث كانت الصين تعتبر سوقاً واعدة للصناعة الألمانية. يرافق ميرتس وفد رفيع المستوى من قطاع الأعمال. ومن المتوقع أن تشمل زيارته لقاءات مع الرئيس شي جين بينج وزيارة للمعالم الهامة وزيارة لمنشآت لشركات ألمانية.
لا يتوقع الكثيرون التوصل إلى اتفاقات شاملة، بل يسعى قادة الصناعة الألمان إلى تحقيق تقدم ملموس وفوري لتحسين شروط المنافسة. وتتمثل نقطة الضغط الأقوى لألمانيا في اعتماد الصين المتزايد على السوق الأوروبية، خاصة مع تراجع الطلب المحلي الصيني.
ومع ذلك، يظل التهديد بفرض رسوم جمركية دفاعية ضمن إطار الاتحاد الأوروبي أمراً مرفوضاً بالنسبة لميرتس، المدافع عن التجارة الحرة. كما يعتبر تجنب أخطاء الإدارة الأمريكية في التعامل مع الصين أمراً ضرورياً. ورغم غياب التصريحات القوية، يشير بعض النواب الألمان إلى أن المستشار قد يكون “أكثر حزماً مما يظهر في العلن” في المحادثات المغلقة.
تكمن الخطوة القادمة في متابعة نتائج هذه الزيارة والمفاوضات التي ستدور خلف الأبواب المغلقة. وتظل احتمالية تعزيز تحالف ألمانيا مع فرنسا، التي أبدت قلقاً متزايداً من تأثير الصين على القاعدة الصناعية الأوروبية، أحد الجوانب التي تستحق المتابعة، بالإضافة إلى إمكانية استخدام الاتحاد الأوروبي لأدوات قوة مثل الرسوم الجمركية في المحادثات المستقبلية.

