مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية في لبنان المقرر في 10 مايو، تتصاعد التساؤلات حول إمكانية إجرائها في موعدها الدستوري، وسط جدل قانوني وسياسي حاد يثير مخاوف من تأجيل هذا الاستحقاق الهام. ترتكز الخلافات بشكل أساسي على تفسير وتطبيق المواد المتعلقة بتمثيل اللبنانيين المغتربين في القانون الانتخابي.
الجدل حول تمثيل المغتربين يؤجج مخاوف التأجيل
تدور المعركة السياسية والقانونية في لبنان حول المادتين 112 و 122 من قانون الانتخاب، اللتين تحددان تمثيل المغتربين بـ 6 مقاعد فقط في “الدائرة 16”. تطالب أحزاب رئيسية، أبرزها “القوات اللبنانية”، بتعليق العمل بهذه المواد وتعديلها للسماح للمغتربين بالتصويت لجميع أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 128 نائباً، وهو ما حدث في دورتي 2018 و 2022. يعكس هذا الموقف أهمية أصوات المغتربين، حيث يشير تحليل نتائج انتخابات 2022 إلى حصول قوى المجتمع المدني على 37 ألف صوت، و”القوات اللبنانية” على 27 ألف صوت، مقابل 17 ألف صوت مشترك لحزب الله وحركة أمل، مما يوضح التأثير الملموس لأصوات المغتربين على موازين القوى السياسية.
في المقابل، يصر رئيس مجلس النواب نبيه بري، زعيم حركة أمل، على تطبيق القانون النافذ، رافضاً الدعوة إلى جلسة تشريعية لتعديل قانون الانتخاب. ويشير إلى وجود مشاريع قوانين قيد الدراسة في اللجان النيابية، بما في ذلك اقتراحات لتعديل القانون ومشروع أحالته الحكومة يفيد بصعوبة إجراء الانتخابات وفق “الدائرة 16”. في محاولة لإيجاد مخرج، طلب وزير الداخلية أحمد الحجار رأي هيئة التشريع والاستشارات، والتي أجازت إجراء الانتخابات وفق القانون النافذ دون استحداث دائرة خاصة للمغتربين، مما يسمح لهم بالتصويت لـ 128 مرشحاً.
التأجيل يتطلب أغلبية نيابية وحسابات دولية معقدة
يؤكد الخبير الدستوري سعيد مالك أن رأي هيئة التشريع والاستشارات يبقى استشارياً وغير ملزم للحكومة بشكل مطلق، وأن أي تعديل للقانون أو تعليق لبعض مواده يتطلب قراراً من مجلس النواب. من جهته، يشدد النائب عن حركة “أمل” أيوب حميد على ضرورة التزام الحكومة بتطبيق القانون النافذ، داعياً إلى مناقشة كامل مواد القانون وليس اختصارها لتلبية مطلب جهة سياسية محددة. يؤكد حميد تمسك كتلته بإجراء الانتخابات في موعدها.
على الجانب الآخر، يرى عضو كتلة “الجمهورية القوية” (القوات اللبنانية) رازي الحاج أن قرار الحكومة واضح بإجراء الانتخابات، وأنها لم تفتح باب الترشيح للدائرة 16 لصعوبة تطبيقها. يرجح الحاج أن تتجه الحكومة نحو الرأي الذي يسمح للمغتربين بالتصويت لـ 128 مرشحاً. وبخصوص إمكانية تأجيل الانتخابات، يوضح الحاج أن الأمر يتطلب قانوناً يُقر في مجلس النواب بأكثرية واضحة، وهو أمر يشكك بوجوده حالياً، مشيراً إلى أن رئيس مجلس النواب هو من يملك صلاحية الدعوة لجلسة تشريعية إذا أراد التأجيل.
تتداخل الحسابات السياسية الداخلية والخارجية في السجال القانوني، مما قد يؤثر على مصير الانتخابات. يرى المحلل السياسي عمار نعمة أن المجتمع الدولي قد يفضل بقاء الحكومة الحالية لفترة أطول لتنفيذ برنامجها الإصلاحي، مما يعزز احتمال التأجيل. ويتجاوز نعمة ذلك ليشير إلى احتمال أزمة حكم في لبنان، في ظل مطالب بحصة أكبر في النظام السياسي. ويظل اللجوء إلى الشارع خياراً مطروحاً في حال تعطل الاستحقاق الانتخابي. كما يلفت نعمة إلى تأثير العوامل الإقليمية، لا سيما مستقبل النظام في إيران، والذي قد يدفع حزب الله إلى تحركات داخلية أو خارجية.
يبقى مصير الانتخابات النيابية في لبنان معلقاً على تطورات المواقف السياسية والقانونية، واحتمالية عقد جلسة نيابية حاسمة. ستترقب الأوساط السياسية ما إذا كانت الخيارات المتاحة ستؤدي إلى إجراء الانتخابات في موعدها، أو تأجيلها، مع استمرار التساؤلات حول كيفية تجاوز الأزمة الراهنة.

