المستشار الألماني في بكين: تقليل المخاطر بين الشراكة والمنافسة مع الصين
بدأ المستشار الألماني فريدريش ميرتس زيارة رسمية إلى الصين، أمس، برفقة وفد كبير من رجال الأعمال. تأتي هذه الزيارةost-dating her predecessors، حيث استغرقت نحو 10 أشهر منذ توليه المنصب، مما يشير إلى تحول محتمل في نهج ألمانيا تجاه أكبر شريك تجاري لها. لم تعد الصين مجرد سوق مزدهرة للصادرات الألمانية، بل أصبحت منافسًا مباشرًا وتهديدًا لقطاعات واسعة من الصناعة، وهو ما يتوقع أن يثير قلق الفاعلين الاقتصاديين الألمان خلال المباحثات.
ويُتوقع أن يلتقي ميرتس رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ، ثم الرئيس شي جين بينغ، لإجراء محادثات تسبق مأدبة عشاء. تتضمن الزيارة التي تستمر ثلاثة أيام العاصمة بكين ومدينة هانغجو، مركز التكنولوجيا المتقدمة. ومع ذلك، تلقي الأجواء السياسية الداخلية في ألمانيا بظلالها على الزيارة، لا سيما المخاوف بشأن الدعم الصيني المحتمل للحرب الروسية في أوكرانيا، بالإضافة إلى التقارير الاستخباراتية عن هجمات إلكترونية وأعمال تجسس يُشتبه في تورط الصين بها.
سياسة “تقليل المخاطر” في مواجهة التحديات الصينية
من المتوقع أن يناقش المستشار الألماني هذه القضايا الحساسة مع القيادة الصينية، مع التركيز على سياسة “تقليل المخاطر” لمعالجة الاعتماد الألماني الكبير على الصين. يكشف هذا التوجه عن محاولات لتجاوز نقاط الضعف في سلاسل الإمداد الألمانية، خاصة بعد تهديدات صينية بفرض قيود على صادرات العناصر الأرضية النادرة والرقائق الإلكترونية، مما يهدد بخطوط الإنتاج الألمانية.
بالإضافة إلى ذلك، يبرز ملف اختلال الميزان التجاري كمصدر قلق ألماني. حيث شهدت صادرات السيارات والسلع الألمانية إلى الصين تراجعًا ملحوظًا، بينما ارتفعت الواردات من الشركات الصينية، مما أدى إلى تفاقم العجز التجاري الألماني ليصل إلى حوالي 90 مليار يورو، أي ما يعادل 2% من الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا. ويعود ذلك جزئيًا إلى ضعف الطلب الداخلي في الصين، الذي يدفع الشركات الصينية لزيادة صادراتها، بما في ذلك السيارات، والاستحواذ على حصص سوقية من منافسيها الألمان في أسواق عالمية أخرى.
منافسة مدعومة وغير تجارية
تُعرب قطاعات صناعية ألمانية عن استيائها من الدعم الحكومي الصيني وانخفاض قيمة اليوان، معتبرة أن المنافسة لم تعد تجارية بحتة، بل أصبحت مدعومة بقدرات الدولة الصينية. وصرح أوليفر ريختبرغ من رابطة الصناعة الهندسية الميكانيكية بأن “الشركات الألمانية لا تنافس شركات صينية فحسب، بل تنافس ميزانية دولة بأكملها”.
يؤكد اتحاد الصناعات الألمانية أن ضغوط المنافسة تشمل قطاعات متعددة، من صناعة السيارات إلى الصناعات الكيماوية والدوائية. وقد أدى هذا الوضع إلى ما يسميه البعض “الصدمة الصينية”، في إشارة إلى التحول الجذري الذي تشهده الشركات العائلية المتوسطة، والتي تجد نفسها مضطرة لإعادة صياغة نماذج أعمالها.
“لعبة جديدة” في السوق الصينية
ومع ذلك، لا يتبنى جميع الشركات الألمانية موقفًا موحدًا. فقد ضاعفت مجموعات كبرى مثل “BASF” استثماراتها في الصين، وتتجه شركات أخرى إلى إعادة توطين عملياتها محليًا للاستفادة من سلاسل التوريد وتطوير المنتجات عبر كوادر صينية. أما شركة “Volkswagen” فتسعى لتحويل الصين إلى مركز تصدير عالمي، مما يثير جدلًا داخليًا بشأن تأثيره على فرص العمل في ألمانيا.
يرى بعض المحللين أن استراتيجية “في الصين من أجل الصين” تهدف إلى تفادي الرسوم الجمركية، والتكيف مع اللوائح المحلية، وتعظيم الحصة السوقية. ويعتبرها آخرون وسيلة للحفاظ على القدرة التنافسية عبر الاستفادة من الابتكار والبحث والتطوير الصينيين. وفي هذا السياق، يشير ميكو هوتاري من شركة “ميركس” البحثية إلى أن الشركات الألمانية العاملة في الصين تخوض “لعبة جديدة تمامًا”، حيث تتزايد استقلالية الفروع الصينية عن مقراتها الأم.
انقسام سياسي واستراتيجي
الانقسام لا يقتصر على القطاع الصناعي، بل يمتد إلى الحكومة الألمانية. يميل التيار الليبرالي إلى إبقاء الحواجز التجارية منخفضة، بينما يركز المسؤولون المعنيون بالمناخ على الاستفادة من التكنولوجيا الخضراء الصينية، ويدعو المسؤولون الأمنيون إلى تشديد الموقف بسبب دعم الصين لخصوم أوروبا. ويلاحظ ساندر توردوير من مركز الإصلاح الأوروبي أن سياسة ألمانيا تجاه الصين لا تزال تفتقر إلى الوضوح الاستراتيجي.
ورغم أهمية زيارة ميرتس، يرى ثورستن بينر من معهد السياسات العامة العالمية أن المحور الأساسي لسياسة ألمانيا تجاه الصين يكمن في الإطار الأوروبي. وقد بدأت برلين بدعم تشديد فحص الاستثمارات، كما حدث في مشروع لطاقة الرياح. وتعهد ميرتس بمنع الشركات الصينية من المشاركة في تطوير شبكات الجيل السادس في ألمانيا.
وفقًا لمسؤولين ألمان، فإن انتهاج سياسة أكثر صرامة تجاه الصين قد يأتي بنتائج سلبية على الاقتصاد الألماني، نظرًا لاعتماد البلاد الكبير على التصدير. ومع ذلك، يرى بعض المراقبين أن ألمانيا وأوروبا قد تقللان من ثقلهما الاقتصادي العالمي، خاصة في ظل الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة. فخسارة السوق الأوروبية ستكبد الصين خسائر جسيمة.
ماذا بعد؟
تتداخل المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الجيوسياسية في علاقة معقدة، حيث تطالب بكين الاتحاد الأوروبي برفع الرسوم المفروضة على سياراتها الكهربائية. وفي ظل هذه المعادلة الدقيقة، تأمل قطاعات واسعة من الصناعة الألمانية أن يُظهر المستشار الألماني فريدريش ميرتس حزمًا خلال زيارته إلى بكين، ليعكس دفاعًا أوضح عن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لألمانيا. تبقى الإجراءات والاتفاقيات المستقبلية، ومدى التزام الطرفين، وتطور العلاقات التجارية والسياسية، محط أنظار المراقبين.

