تواجه أوروبا منعطفاً حاسماً، حيث تنظر إليها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحلفاؤها كمعقل للانحلال الليبرالي، بينما يرى فيها الكثيرون الأمل الأخير لقيادة عالمية ثابتة. هذا التباين في الرؤى يعكس التحديات المعقدة التي تواجه القارة، والتي تتطلب قرارات سريعة لضمان بقائها وتعزيز قدراتها.
مستقبل أوروبا: بين التفكك المحتمل والنهوض الاستراتيجي
تبدو أوروبا اليوم وكأنها تخضع لاختبار نفسي عميق، وسط تقييمات متباينة لمستقبلها. فبينما تحذر استراتيجية الأمن القومي للبيت الأبيض من “محو الحضارة” في القارة وتدعو ضمنياً إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي، يرى العديد من الأمريكيين أن بروكسل هي الأمل الأخير لقيادة عالمية قائمة على القواعد. هذا التوتر في الرؤى يضع أوروبا في قلب نقاش استراتيجي دولي مصيري.
على الرغم من المخاوف التي قد تسود لدى بعض الأوروبيين بشأن وتيرة الإصلاح البطيئة في الاتحاد الأوروبي، مقارنة بالنمو الاقتصادي والابتكار في الولايات المتحدة، إلا أن السنوات الخمس الماضية شهدت مسيرة تقدم أوروبية نحو مزيد من التماسك وتعزيز الدفاع عن النفس، وتأكيد النفوذ الجيوسياسي. هذه القفزة النوعية جاءت كرد فعل على الأزمات المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى الحرب في أوكرانيا، وصولاً إلى التحديات الروسية والأمريكية.
كانت جائحة كوفيد-19 نقطة تحول، حيث دفعت أوروبا إلى اقتراض 800 مليار يورو بشكل مشترك، في خطوة غير مسبوقة تعكس قوة مالية متنامية. كما أن حل أزمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، رغم تعقيداته، أبقى على جوهر أكثر تكاملاً في قلب الاتحاد.
في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية، أظهرت أوروبا قدرة استثنائية على الاستجابة السريعة. فقد فرضت بروكسل عقوبات شاملة على موسكو، وجمدت أصولاً ضخمة للبنك المركزي الروسي، بل وتجاوزت الدعم المالي والعسكري الأمريكي لأوكرانيا في بعض الجوانب. كما نجحت القارة في تجاوز انقطاع شبه كامل للغاز الروسي، الذي كان يشكل شرياناً رئيسياً للطاقة.
لم تكن إدارة ترامب مجرد تحدٍ دبلوماسي، بل شكلت “صدمة وجودية” أخرى للقارة، مع تهديداتها بفرض تعريفات جمركية باهظة. وجاء الرد الأوروبي حاسماً، حيث أعلنت ألمانيا خطة ضخمة للبنية التحتية والدفاع، متخلية عن سياسة خفض الديون، وأطلقت مبادرات لتمويل مشتريات الدفاع. كما تم الاتفاق على قروض لدعم كييف في مواجهة الحرب.
في تقريره لعام 2024، ركز رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق، ماريو دراغي، على جهود تعزيز القدرة التنافسية الاقتصادية والجيوسياسية لأوروبا، وإزالة الحواجز الداخلية. ويلتزم كبار القادة الأوروبيين اليوم بالسعي نحو مزيد من التكامل وبناء أوروبا أكثر سيادة وقدرة.
ومع ذلك، يبقى تطوير القدرات الدفاعية الأوروبية تحدياً كبيراً. فرغم ارتفاع الإنفاق الدفاعي بنسبة 50% منذ عام 2022، لا يزال الإنفاق غير منظم إلى حد كبير، مع قلة في المنصات المشتركة والتخطيط الاستراتيجي. وتشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من عقود الدفاع الأوروبية تذهب إلى الأسلحة الأمريكية، مما يقلل من فوائد النمو الاقتصادي المحلي.
يؤكد الخبراء الاقتصاديون أن زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، عند إنفاقه بشكل محلي ومتكامل، يمكن أن ترفع الناتج المحلي الإجمالي وتزيد الإنتاجية. لكن هذه الفوائد مشروطة بتجنب الإنفاق الوطني المشتت.
إذا لم تتحرك أوروبا بسرعة، فهي لا تخاطر فقط بعقد آخر من النمو الاقتصادي المتواضع والوقوع تحت ضغوط القوى الكبرى، بل تخاطر أيضاً بثورات شعبوية قد تعكس مسار التماسك القاري. والمشهد السياسي المستقبلي، مع احتمالات صعود قوى اليمين المتطرف في الانتخابات القادمة، قد يجعل المهمة أكثر صعوبة.
يبقى السؤال الأكثر تعقيداً هو إلى أي مدى ينبغي لأوروبا تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، خاصة في مجالات مثل الاستخبارات والمراقبة الفضائية والسيادة التكنولوجية. هذه الأسئلة المصيرية تتطلب إجابات سريعة وحاسمة.
في نهاية المطاف، الفرصة سانحة أمام أوروبا، والسؤال ليس ما إذا كانت القارة قادرة على البقاء، بل ما إذا كان الأوروبيون قادرين على حشد الإرادة السياسية والسرعة اللازمة لاغتنام هذه الفرصة، وتأمين مستقبلها السيادي والاقتصادي.

