الولايات المتحدة وبريطانيا: جسر استراتيجي جديد في المحيطين الهندي والهادئ
يُشهد تحولًا استراتيجيًا في السياسة الدفاعية للولايات المتحدة، حيث تتجه الأنظار بشكل متزايد نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بعيدًا عن أوروبا. يأتي هذا التوجه، الذي بدا يتجلى منذ مطلع الألفية الجديدة، في ظل تعزيز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهذه الرؤية. وعلى الرغم من هذا التغير في التركيز، فإن العلاقات عبر الأطلسي لا تزال تشهد تطورات هامة، مع تسليم قيادات عسكرية رئيسية في حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى قادة أوروبيين، مما يشير إلى استراتيجية أمريكية جديدة تركز على بناء القدرات الأوروبية لتمكينها من تحمل المزيد من المسؤوليات.
هذا الأسبوع، تم تسليم قاعدتين رئيسيتين لحلف الناتو، بما في ذلك قاعدة في نورفولك بولاية فرجينيا، إلى قادة أوروبيين. هذه الخطوة، التي تتضمن نقل مقر القيادة الأطلسية إلى القيادة البريطانية، تؤكد عزم الولايات المتحدة على تقليص دورها التشغيلي المباشر في الدفاع عن أوروبا، مع التركيز على تطوير القدرات الأوروبية الخاصة، مما يتيح لها التركيز بشكل أكبر على التحديات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وخاصة تجاه الصين.
تعزيز القدرات الأوروبية ودور بريطانيا المحوري
يعكس تسليم قيادة القوات المشتركة على المستوى العملياتي، حيث ستخضع القوات الأمريكية المتبقية في عمليات الانتشار المشتركة لقيادة أفراد بريطانيين وأوروبيين، استجابة للضغط الأمريكي المتزايد. وقد بدأت أوروبا بالفعل في الاستثمار بشكل أكبر في دفاعها الخاص، على الرغم من أن هذا الاستثمار لا يزال غير كافٍ. يعد تقليل اعتماد أوروبا على أنظمة القيادة والسيطرة الأمريكية أمرًا ضروريًا لبناء قدراتها العسكرية وتمكين الولايات المتحدة من إعادة توجيه مواردها الاستراتيجية.
ولكن، فإن الولايات المتحدة تحتفظ بمنصب القائد الأعلى للحلفاء، وتحديداً في قيادة القوات البحرية لحلف الناتو المتمركزة في المملكة المتحدة. هذا التحرك يعكس قلقًا أمريكيًا متزايدًا بشأن التوغلات البحرية الروسية في القطب الشمالي. هذه التغييرات مجتمعة تهدف إلى تعزيز الجيوش الأوروبية وقدرتها على التنسيق، مع ضمان تحقيق أولويات الولايات المتحدة الاستراتيجية.
“العلاقة الخاصة” جسر إلى آسيا
تُثبت هذه الترتيبات المتبادلة المنفعة أن حلف الناتو لا يزال يوفر قيمة لا غنى عنها لجميع الدول الأعضاء. وتلعب المملكة المتحدة، بشكل خاص، دورًا متزايد الأهمية في هذه الاستراتيجية الجديدة. فمع تحول الموقف الأمريكي في أوروبا من نشر الأصول العسكرية والقيادة العملياتية إلى دور أكثر تخصصًا، تبرز أهمية بريطانيا كشريك استراتيجي رئيسي.
يشير وجود القيادة البريطانية في قاعدة على الأراضي الأمريكية إلى معنى أعمق يتجاوز الترتيبات العسكرية. فبريطانيا تلعب دورًا أساسيًا كوسيط فريد قادر على التواصل بين أكبر الجيوش الأوروبية – الألمانية والبولندية – والولايات المتحدة. الروابط اللغوية والقانونية والتاريخية، والتفاهم الثقافي العميق بين البلدين، تجعل من بريطانيا قوة أوروبية فريدة، وهو ما يفسر مشاركتها في تحالف “أوكوس” الذي يهدف إلى احتواء النفوذ الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
بريطانيا هي الشريك الأوروبي الوحيد الذي يمتلك القدرة على الوصول والانتشار والقدرات المتخصصة للعب دور في قارتين في وقت واحد. هذه الثقة والتقارب مكّنا المملكة المتحدة من لعب دور أكثر تناغمًا، يتمثل في التكامل بين الجيش والاستخبارات على أعلى مستوى ممكن مع الولايات المتحدة. وبفضل هذه الثقة الضمنية، تواصل بريطانيا لعب دور لا يمكن لأي حليف آخر أن يؤديه.
التحديات والآفاق المستقبلية
إن استقلال بريطانيا عن مؤسسات الاتحاد الأوروبي يمكّنها من السعي إلى تحقيق تكامل اقتصادي وتنظيمي أوثق مع الولايات المتحدة، مما قد يمثل خطوة نحو تكامل أعمق بين سلاسل التوريد العسكرية والصناعية للبلدين. وتحتاج الولايات المتحدة إلى جسر يربطها بأوروبا في ظل تحولها الاستراتيجي، وتظهر المؤشرات الأولية أن المملكة المتحدة ستكون ذلك الجسر.
يطرح ابتعاد الولايات المتحدة عن أوروبا سؤالًا هامًا حول هوية بريطانيا الاستراتيجية ودورها المستقبلي. ففي حين أن الولايات المتحدة تتقدم نحو المحيطين الهندي والهادئ، يجب على بريطانيا أن توائم طموحاتها مع قدراتها بطريقة أكثر انضباطًا. وعلى الرغم من افتقار بريطانيا لبعض القدرات البرية اللازمة لدعم القوات البرية بشكل كبير في أوروبا الشرقية، إلا أن نشر قوات بحرية في الشرق الأقصى قد يخدم مصالحها بشكل أفضل.
ويمكن القول بأن وجود حاملات طائرات جديدة، وأسطول غواصات نووية، وقدرات استطلاع متطورة، يجعل بريطانيا أكثر ملاءمة للانضمام إلى قوة ردع ضد الصين، إلى جانب الولايات المتحدة وأستراليا. وفي حين أن الولايات المتحدة وبريطانيا تهتم كل منهما بمصالحها الأساسية، فمن الواضح أن هناك تقاربًا كبيرًا في أهدافهما وقدراتهما، وأن مسارهما نحو النفوذ والازدهار مرتبط ببعضه البعض. ومن المفارقات، أن ابتعاد الولايات المتحدة عن أوروبا قد يؤدي إلى تعزيز العلاقة الخاصة بين واشنطن ولندن عبر المحيط الأطلسي وفي المحيط الهادئ.

