كشف علماء عن آلية فيزيائية حيوية مبتكرة تستخدمها بكتيريا السل للاختباء والبقاء داخل الخلايا البشرية، مما قد يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة ضد هذا المرض الفتاك.
آلية اختباء بكتيريا السل داخل الخلايا البشرية
يُعد السل، الذي يودي بحياة أكثر من مليون شخص سنوياً، أزمة صحية عالمية كبرى، وتواجه مكافحته تحديات بسبب طول مدة العلاج وظهور سلالات مقاومة للمضادات الحيوية. بكتيريا المتفطرات، المسببة للمرض، طورت آليات معقدة لاختطاف خلايا الجهاز المناعي البشري والإفلات من تدميرها، مستهدفة تحديداً البلعميات، وهي خلايا المناعة المسؤولة عن ابتلاع الميكروبات والقضاء عليها.
أظهرت دراسة نوقشت في الاجتماع السنوي الـ 70 للجمعية الفيزيائية الحيوية أن المتفطرات تطلق حزماً دقيقة تعرف بالحويصلات خارج الخلية. هذه الجسيمات الصغيرة، المحاطة بغشاء، تندمج مع أغشية الخلايا المناعية وتحمل دهوناً متخصصة قادرة على تغيير بنية الغشاء الخلوي، مما يجعله أكثر صلابة وتماسكاً.
في الظروف الطبيعية، تحجز الخلايا المناعية البكتيريا الضارة داخل الجسيم البلعمي، الذي يندمج لاحقاً مع الجسيم الحال المحتوي على إنزيمات هاضمة. لكن المتفطرات، عبر زيادة صلابة غشاء الجسيم البلعمي، تمنع هذا الاندماج، مما يخلق لها ملجأً واقياً داخل الخلية.
صرح أيوش باندا، المؤلف المشارك في الدراسة، بأن هذه الآلية تسمح للبكتيريا بإعادة تشكيل البنية المعمارية للغشاء، وبالتالي الهروب من العملية التي كان من المفترض أن تقتلها. ولم يقتصر تأثير هذه الحويصلات على الخلايا المصابة مباشرة، بل يمكنها إضعاف الخلايا المناعية المجاورة، مما يسهل انتشار العدوى.
تعتمد الدراسة الجديدة على مقاربة تركز على الدهون، على عكس الأبحاث السابقة التي ركزت على البروتينات. أظهر الباحثون أن مجرد إدخال دهون المتفطرات في أغشية تحاكي الجسيم البلعمي للمضيف كان كافياً لإحداث خلل في وظيفة الجهاز المناعي وتغييرات فيزيائية ملحوظة في خصائص الغشاء.
كما لوحظت تأثيرات مماثلة لهذه الحويصلات في بكتيريا أخرى مثل “كليبسيلا الرئوية” و”المكورات العنقودية الذهبية”، مما يشير إلى أن التلاعب بخصائص الغشاء الخلوي قد يكون استراتيجية تطورية شائعة بين البكتيريا المسببة للأمراض.
إن فهم هذه الآلية الدفاعية للبكتيريا يفتح مسارات واعدة لتطوير علاجات جديدة.
يمكن استهداف البروتينات المسؤولة عن إنتاج الحويصلات البكتيرية، أو البحث عن وسائل تعاكس تأثير زيادة صلابة الأغشية. يهدف الباحثون إلى إيجاد طرق لمنع البكتيريا من زيادة صلابة الأغشية، مما يسمح للخلايا المناعية بأداء وظيفتها وإيقاف العدوى.
يتوقع الباحثون أن تواصل الدراسات المستقبلية التركيز على تطوير مثبطات لهذه الآلية، بالإضافة إلى استكشاف ما إذا كانت هذه الاستراتيجية محفوظة التطوري لدى مسببات أمراض أخرى، مع مراقبة تطور مقاومة البكتيريا للعلاجات الجديدة.

