حظيت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل باستقبال حافل خلال مشاركتها في مؤتمر حزب “الاتحاد الديمقراطي المسيحي” في شتوتجارت، في مشهد عكس استمرار حضورها القوي داخل الحزب المحافظ رغم مرور سنوات على مغادرتها السلطة. جاء هذا الظهور في لحظة بدت اختباراً رمزياً لقيادة المستشار الحالي فريدريش ميرتس، الذي اضطر إلى انتظار هدوء القاعة قبل استئناف أعمال المؤتمر.
وقد قوبل ظهور ميركل، التي شغلت منصب المستشار بين عامي 2005 و2021، بحفاوة واضحة، إذ وقف عدد من المندوبين لتحيتها لنحو دقيقة كاملة. يعكس هذا الاستقبال أن إرثها السياسي لا يزال حاضراً بقوة داخل الحزب، على الرغم من الجدل الداخلي بشأن سياساتها، لا سيما فيما يتعلق بالهجرة وروسيا.
العودة الرمزية لميركل تدعم قيادة ميرتس
أكدت مجلة “بوليتيكو” أن أجواء المؤتمر عكست صعوبة إحداث قطيعة سياسية واضحة مع نهج ميركل داخل الحزب، على الرغم من الانتقادات التي طالت فترة حكمها. وتشير مواقف ميرتس الأخيرة إلى تقارب متزايد مع الخط الوسطي الذي تبنّته ميركل، بعدما كان قد تعهد سابقاً بإعادة تمييز الحزب وتعزيز حضور الجناح المحافظ فيه.
جاء هذا التحول واضحاً في تأكيد ميرتس أنه اتخذ “قراراً نهائياً” بالسعي إلى دعم سياسات الحزب من داخل الوسط السياسي حصراً. فُسّرت هذه الخطوة على نطاق واسع على أنها إعادة تموضع تهدف إلى تعزيز فرص الحزب الانتخابية، خاصة بعد الجدل السابق حول دعمه لمشروع قرار لتشديد سياسات الهجرة، والذي تطلب دعماً من حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف.
وكان ميركل قد انتقدت خطوة ميرتس آنذاك، ووصفتها بأنها “خطأ”. لكن إعادة تموضع ميرتس باتجاه الوسط تُنظر إليها الآن على أنها تصحيح للمسار، وهو توجه يُعتقد أن ميركل تنظر إليه بارتياح، مما يشير إلى دعم ضمني لقيادة ميرتس.
وخلال المؤتمر، حظيت ميركل باهتمام لافت من المشاركين الذين حرصوا على مصافحتها والتقاط الصور معها. وصف عدد من المندوبين الحزب بأنه “عائلة سياسية” تضم مختلف التيارات، بينما يرى مسؤولون حزبيون أن حضور ميركل يعكس دعماً ضمنياً لقيادة ميرتس ورغبة في إظهار الوحدة وتجنب الانقسامات الداخلية، خصوصاً في ظل التحديات الانتخابية المقبلة.
يبدو أن الاعتبارات الانتخابية لعبت دوراً في إبراز حضور ميركل، إذ يُعتقد أن صورتها لا تزال تحظى بقبول واسع لدى الناخبين الوسطيين، ما يجعلها بمثابة “رصيد سياسي مهم” للحزب. في هذا السياق، يتقدم هدف الوصول إلى السلطة على ما عداه داخل الحزب، بما في ذلك الخلافات بشأن الإرث السياسي أو التوجهات الأيديولوجية.
عبرت يانا شيمكه، العضوة السابقة في “البوندستاج” والرئيسة الحالية لاتحاد الفنادق والمطاعم في ألمانيا، عن أن حضور ميركل “أمر إيجابي للغاية”، مشيرة إلى أن ميركل أرادت إظهار دعمها لميرتس. وتبنى ينس شبان، رئيس الكتلة البرلمانية للتحالف المسيحي ووزير الصحة السابق، موقفاً مشابهاً، قائلاً: “أنجيلا ميركل جزء من هذه العائلة”.
قال فولكر كاودر، الزعيم البرلماني السابق المقرب من ميركل، بصراحة: “الحزب يريد الوحدة لا الخلاف”. فيما أبدى رئيس وزراء ولاية ساكسونيا، ميشائيل كريتشمر، رفضاً واضحاً لفكرة القطيعة مع ميركل قائلاً: “أبداً”.
“ميرتسل” والتوجه نحو الوسط
قدم وزير اتحادي سابق، طلب عدم كشف هويته، قراءة أكثر براجماتية، معتبراً أن زيارة ميركل تُمثّل “مكسباً للطرفين”. وبالنسبة لميرتس، فقد كان أمامه خيار اعتماد نبرة تصالحية. الهدف الأول للحزب يظل القدرة على الحكم، وتأتي الوسائل والرسائل المستخدمة في المرتبة الثانية، وفق “بوليتيكو”.
سخر بعض المنتقدين عبر الإنترنت من التقارب بين ميرتس وميركل بإطلاق تسمية “ميرتسل” (Merzel)، في إشارة إلى اندماج نهجيهما السياسي. إلا أن هذا التقارب لا يواجه معارضة تُذكر داخل الحزب، فقد أعاد نحو 91% من المندوبين انتخاب ميرتس رئيساً للحزب، في تفويض قوي يعزز موقعه القيادي.
بينما خرج ميرتس من مؤتمر شتوتجارت مدعوماً بتجديد الثقة، بدا أن ميركل أيضاً حققت مكسباً سياسياً هادئاً، إذ أكد حضورها أن تأثيرها داخل الحزب لم يتراجع بعد. يراقب الحزب الآن التحديات الانتخابية المقبلة، ومدى نجاح استراتيجية التقارب نحو الوسط في استقطاب الناخبين.

