يدخل الإطار التنسيقي في العراق مرحلة مفصلية في حسم ملف رئاسة الحكومة، وسط ترقب برلماني وسياسي واسع. على الرغم من أسابيع من النقاشات والمشاورات المكثفة، لم تتبلور بعد صيغة نهائية تحظى بإجماع الأطراف، مما يبقي الخيارات مفتوحة بين الإبقاء على المرشح المطروح أو الاتجاه نحو تسوية توافقية.
اتساع جبهة رافضي المالكي لرئاسة الحكومة
أفاد مصدر مطلع في الإطار التنسيقي بأن جبهة الرافضين لترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء آخذة في الاتساع داخل التحالف، حيث بلغ عدد المعترضين ستة أعضاء من أصل اثني عشر. ويتقدم المعترضين شخصيات بارزة مثل قيس الخزعلي، وعمار الحكيم، ومحمد شياع السوداني، وعبد الحسين الموسوي، وأحمد الأسدي، وحيدر العبادي.
يقوم موقف المعترضين على قناعة بضرورة تجنب ترشيح شخصية قد تواجه صعوبة في تمرير حكومتها في مجلس النواب، أو قد تعمق الانقسام داخل الإطار التنسيقي. يأتي هذا الموقف في ظل تعقيدات المشهد السياسي الحالي وحساسية التفاهمات مع القوى الكردية والسنية.
في المقابل، يتمسك نوري المالكي، بصفته رئيس ائتلاف “دولة القانون”، بحقه السياسي في الترشح استناداً إلى ثقله البرلماني ودوره داخل الإطار. يعكس هذا التباين انقساماً واضحاً بين خيار المضي بمرشح “الكتلة الأكبر” وخيار الذهاب إلى مرشح تسوية يحظى بقبول أوسع.
لا يقتصر هذا الخلاف على اسم المرشح فحسب، بل يتعلق بطبيعة المرحلة المقبلة وما تتطلبه من شخصية قادرة على إدارة التوازنات الداخلية والخارجية، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والأمنية المتشابكة والضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة. تبدو معركة التكليف اختباراً لقدرة الإطار التنسيقي على الحفاظ على تماسكه وتقديم صيغة حكم مستقرة.
محاولات لتقريب وجهات النظر داخل الإطار التنسيقي
تتواصل الاجتماعات الثنائية والثلاثية بشكل شبه يومي داخل أروقة الإطار التنسيقي، بهدف تقريب المواقف ومنع انتقال الخلافات إلى العلن. تتركز النقاشات حول كيفية تحقيق توازن بين الحفاظ على وحدة التحالف والاستجابة لمطالب القوى المتحفظة، لتجنب سيناريو الانقسام أو التعثر البرلماني.
صرح عامر الفائز، عضو الإطار التنسيقي، بأن المحادثات مستمرة، والهدف هو الاتفاق على رؤية موحدة تحافظ على وحدة الإطار وتمنع تفرقه. وأوضح أن اللقاءات تُعقد بصيغ متعددة للوصول إلى تفاهمات تضمن قراراً جامعاً بشأن رئيس الوزراء المقبل.
أشار الفائز إلى أن الشروط التي وضعها الإطار تشمل أن يكون المرشح “ذا مقبولية وطنية” وقادراً على العمل في بيئة معقدة. وأضاف أن هناك معارضات من عدة جهات سياسية، مما يدفع الإطار للعمل على مسارين: إما إقناع القوى المتحفظة بالمرشح الحالي، أو دراسة خيار استبداله إذا اقتضت الضرورة.
وأكد أن المضي قدماً يشمل احتمال انسحاب طوعي أو التوصل إلى اتفاق سياسي يحفظ اللحمة الوطنية ويضمن استقرار البلاد، مشدداً على أن أولوية الإطار هي استقرار العراق ووحدة شعبه وسيادته.
الشراكة الوطنية شرط أساسي لتشكيل الحكومة
تشدد أصوات أخرى على أن رئاسة الحكومة لا يمكن أن تحسم داخل مكون واحد أو تحالف بعينه، بل يجب أن تعكس شراكة وطنية شاملة. يرى رحيم العبودي، عضو تحالف قوى الدولة، أن تجاهل وجهات نظر الشركاء قد يؤدي إلى تعقيدات وأزمات سياسية لاحقاً.
وأضاف أن مفهوم الشراكة يعني تقاسم المسؤولية، وأن رئيس الوزراء يمثل الدولة العراقية بكل أطيافها. وشدد على أن الضمانات المطلوبة تتضمن المقبولية الداخلية والدولية والإقليمية، بالإضافة إلى القبول لدى المرجعية، مع ضرورة امتلاك المرشح شخصية قوية لمعالجة الملفات الاقتصادية والسياسية والأمنية.
يرى العبودي أن استمرار الانسداد السياسي والضغوط الدولية يجعل خيار مرشح التسوية مساراً واقعياً لكسر الجمود وتخفيف الاحتقان. وأشار إلى أن الإطار التنسيقي مطالب بتقديم حلول مرنة ومنتجة، حيث أن أي تعثر جديد في تشكيل الحكومة سينعكس سلباً على الوضعين الاقتصادي والخدمي ويزيد من فجوة الثقة مع الشارع.
ضيق الوقت وضغوط خارجية تعجل الحسم
يلعب عامل الوقت دوراً حاسماً في تسريع وتيرة النقاشات، حيث تضيق المهل السياسية والدستورية، إلى جانب الضغوط الخارجية، مساحة المناورة أمام القوى السياسية. يوضح عصام الفيلي، أستاذ العلوم السياسية، أن التمسك الصارم بمرشح بعينه قد يضع العراق في مواجهة ضغوط أو عقوبات خارجية، مما يجعل البحث عن بديل أكثر واقعية.
أشار الفيلي إلى أن محدودية الوقت تجعل طرح شخصية بديلة الاحتمال الأقرب، وأن الانقسامات داخل الإطار هي امتداد لطبيعة التحالف المتشكل من قوى ذات مصالح وتوجهات متباينة. ويعتقد أن ما يجري هو نتيجة طبيعية لهذه التباينات، ويتطلب إدارة سياسية مرنة لتجنب تفكك التحالف.
المعادلة المعقدة: التمسك بالمرشح أم التسوية؟
يقف الإطار التنسيقي أمام معادلة معقدة: إما المضي في خيار التمسك بالمرشح الحالي ومحاولة حشد أغلبية لتمريره، أو الاتجاه نحو مرشح توافقي يخفف الاعتراضات ويمنح الحكومة المقبلة فرصة انطلاقة أكثر استقراراً. تتواصل المفاوضات لإيجاد صيغة لا تظهر التحالف بمظهر المتراجع ولا تدفع البلاد نحو انسداد سياسي جديد.
تبدو الأيام القليلة المقبلة حاسمة في تحديد شكل الحكومة المقبلة ومسار العملية السياسية. يبقى السؤال الأهم: هل ينجح الإطار في إنتاج تسوية تحفظ وحدته وتطمئن شركاءه، أم تتغلب حسابات التمسك على منطق التوافق؟ الإجابة ستتضح مع القرار النهائي الذي سيخرج من اجتماعات التحالف.

