كشفت دراسة علمية حديثة عن مخاطر غير متوقعة لاستخدام أحد أكثر مبيدات الأعشاب انتشاراً في العالم، إذ أظهرت أن مادة “الجليفوسات”، المستخدمة على نطاق واسع في الزراعة، قد تسهم بشكل غير مباشر في انتشار البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، وهي من أخطر التحديات الصحية على مستوى العالم. وأشارت الدراسة، المنشورة في دورية Frontiers in Microbiology، إلى أن البكتيريا متعددة المقاومة الموجودة في المستشفيات تظهر قدرة ملحوظة على تحمّل تراكيز مرتفعة من هذا المبيد الزراعي، إلى جانب مقاومتها الشديدة للمضادات الحيوية. ومعاناة العالم من مقاومة المضادات الحيوية، التي تودي بحياة الملايين سنوياً، تتفاقم بتداعيات جديدة محتملة ناتجة عن الاستخدامات الزراعية الشائعة.
يُعد الجليفوسات، المبيد العشبي الأكثر استخداماً عالمياً، فعالاً في القضاء على النباتات غير المرغوبة عبر تعطيل إنزيم أساسي لنموها. ورغم فاعليته وتكلفته المنخفضة، يثير المركب جدلاً متصاعداً بشأن تأثيراته البيئية والصحية المحتملة، مما دفع بعض الدول إلى تقييد استخدامه. فتحت نتائج الدراسة الجديدة مساراً لفهم آليات تطور مقاومة المضادات الحيوية، والتي تمثل عبئاً صحياً عالمياً كبيراً.
مبيدات الأعشاب ومقاومة البكتيريا
وأوضحت الباحثة الرئيسية، دانييلا سينترو، أن الاستخدام الواسع لمبيدات الأعشاب في البيئات الزراعية، الذي يفوق الاستخدام المحدود نسبياً للمضادات الحيوية طبياً، قد يؤدي إلى “انتقاء غير مباشر” لسلالات بكتيرية قادرة على مقاومة الأدوية داخل التربة. هذه الفرضية تثير مخاوف جدية من تحول الأراضي الزراعية إلى بيئات خصبة لتكاثر وانتشار ما يُعرف بـ “البكتيريا الخارقة”، وهي سلالات بكتيرية غالباً ما ترتبط بالعدوى داخل المنشآت الصحية.
في سياق الدراسة، تم تحليل أكثر من 100 سلالة بكتيرية من مصادر متنوعة، شملت مستشفيات، وتربة زراعية، وبيئات طبيعية. وأظهرت النتائج أن نسبة كبيرة من السلالات المستقاة من المستشفيات، والتي تقاوم مضادات حيوية تُستخدم كخط دفاع علاجي أخير، تبدي أيضاً قدرة ملحوظة على مقاومة الجليفوسات. هذا التداخل في آليات المقاومة يسلط الضوء على العلاقة المحتملة بين استخدام المبيدات الزراعية وتفاقم أزمة مقاومة المضادات الحيوية.
كما حذر الباحثون من احتمال انتقال هذه البكتيريا المقاومة من المستشفيات إلى البيئة، خاصة عبر المياه غير المعالجة. وفي البيئات الزراعية المعرضة للمبيدات، قد تجد هذه البكتيريا تربة مواتية لتكاثرها وانتشارها، مما يخلق حلقة مفرغة يزيد من التحديات الصحية. وقد أشارت التحليلات إلى أن السلالات الأكثر مقاومة تنتمي إلى مجموعات بكتيرية متقاربة، بغض النظر عن مصدرها، مما يشير إلى وجود آليات مشتركة تعتمد عليها في بناء قدراتها الدفاعية.
تحديات مستقبلية وإجراءات وقائية
في ظل هذه النتائج، دعا الفريق البحثي إلى ضرورة إدراج اختبارات متخصصة لتقييم تأثير المبيدات على مقاومة المضادات الحيوية قبل اعتمادها رسمياً. كما شدد على أهمية وضع تحذيرات واضحة بشأن احتمالات انتقال جينات المقاومة بين البيئة والمنشآت الصحية. ويرى العديد من الخبراء أن هذه المعطيات تمثل جرس إنذار يدق، مؤكداً أن مواجهة أزمة مقاومة المضادات الحيوية لا تقتصر فقط على ترشيد استخدامها في المجال الطبي، بل تمتد لتشمل الممارسات الزراعية التي قد تسهم، عن غير قصد، في تفاقم هذه الظاهرة العالمية المتنامية.
ما تزال هناك حاجة لمزيد من الأبحاث لتحديد الآليات الدقيقة التي تربط بين التعرض للجليفوسات وظهور مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية. كما أن تقييم التأثير طويل الأمد لهذه العلاقة على صحة الإنسان والبيئة يمثل أولوية. ومن المتوقع أن تدفع هذه النتائج نحو مراجعة السياسات المنظمة لاستخدام المبيدات الزراعية، ووضع بروتوكولات صحية وبيئية أكثر صرامة لضمان سلامة الغذاء والمياه.

