تشهد تركمانستان، الدولة المنعزلة تاريخياً، تحولاً تدريجياً نحو الانفتاح التكنولوجي والاقتصادي، مع ظهور شركات التجارة الإلكترونية الناشئة ونمو استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. وتُعدّ شركة «وابروم» للتجارة الإلكترونية، التي أسسها أزات سيد محمدوف قبل نحو 10 سنوات، مثالاً رائداً على هذا التغيير في عاصمة البلاد عشق أباد، وعلى الرغم من أن التجارة الإلكترونية لا تزال في مراحلها الأولى في تركمانستان، إلا أن شركات مثل «وابروم» تعتبر نفسها رواداً في هذا المجال.
تركمانستان: الانفتاح التدريجي في ظل تحديات العزلة
في مشهد قد يبدو طبيعياً في مدن عالمية مثل برلين أو سان فرانسيسكو، يدير أزات سيد محمدوف، أب لستة أطفال، شركة «وابروم» للتجارة الإلكترونية من مكتب مفتوح تغمره الإضاءة الساطعة. هذا المشهد، رغم حداثته بالنسبة لتركمانستان، يشكل جزءاً من ازدهار مبادرات الشركات الخاصة الذكية وذات العلاقات الجيدة في البلاد، التي تقع على الحدود مع إيران وأفغانستان. تنطلق شاحنات الشركة من مستودعها لتوصيل طلبات متنوعة، غالباً ما تكون ملابس وأحذية تركية الصنع، إلى العملاء في مختلف أنحاء الجمهورية السوفيتية السابقة.
حظيت وكالة «رويترز» بتصريح نادر لدخول تركمانستان، مما سمح لها بالتنقل بحرية وتغطية أخبار بلد يتبنى بشكل متزايد الابتكارات التكنولوجية مثل التجارة الإلكترونية. بعد استقلالها عن موسكو عام 1991، أعلنت تركمانستان عن حيادها الدائم، مما أدى إلى إغلاق حدودها أمام معظم الزوار وتبني واحد من أشد أنظمة التأشيرات صرامة في العالم، وهو نظام لا يزال قائماً بشكل كبير بعد عقدين من وفاة الرئيس الأسبق صابر مراد نيازوف.
يبرر المسؤولون الأزمة الاقتصادية وعزلة بلادهم بظروفها الجغرافية الصعبة والحاجة إلى البقاء بمنأى عن الأفكار المتشددة وتهريب المخدرات من أفغانستان. ومع ذلك، منذ تولي الرئيس سردار بيردي محمدوف الرئاسة في عام 2022 خلفاً لوالده قربان قولي بيردي محمدوف، بدأت تظهر بوادر انفراج طفيفة. فقد أبدت تركمانستان، التي يبلغ عدد سكانها نحو 7.7 ملايين نسمة، رغبة في تبسيط إجراءات التأشيرة، والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وتنويع اقتصادها الذي تهيمن عليه الدولة.
عزز الرئيس الجديد العلاقات الدبلوماسية لبلاده، مسافراً إلى الخارج بشكل أكثر تكراراً من أسلافه. ويشير دبلوماسيون أجانب في عشق أباد إلى وجود شعور بالتغيير، وإن كان بطيئاً، مدفوعاً بتغير الأجيال داخل النخبة الحاكمة. ويؤكد دبلوماسي غربي مقيم في تركمانستان أن هناك اهتماماً بالإصلاح بين أعضاء النخبة، وأن الحريات الشخصية شهدت زيادة طفيفة في السنوات القليلة الماضية.
التحديات الاقتصادية وتأثير العولمة
على الرغم من هذه التطورات، لا تزال تركمانستان تمثل بيئة صعبة للمستثمرين الأجانب. فهي تعاني من أسعار صرف رسمية وغير رسمية متضاربة للدولار، في حين يلف الغموض عملية صنع القرار السياسي. تتركز معظم الشركات الدولية العاملة في البلاد في قطاع الأعمال التركي، كما تنتشر اللغة التركية بين الشباب التركمان بسبب التقارب اللغوي ووجود جالية تركمانية كبيرة في تركيا.
بعيداً عن السياسة، يشهد المجتمع التركماني تغيراً ملحوظاً، خاصة فيما يتعلق بانتشار الإنترنت، على الرغم من تسجيل البلاد معدلات استخدام منخفضة نسبياً. يعاني الإنترنت في تركمانستان من البطء وفرض رقابة مشددة، وهو ما يعزوه المسؤولون إلى ضرورة مواجهة الأفكار المتشددة المنتشرة عبر الإنترنت في دول آسيا الوسطى الأخرى. ومع ذلك، اكتسبت منصات التواصل الاجتماعي مثل “إنستغرام” و”تيك توك” شعبية متزايدة في السنوات الأخيرة، ويمكن الوصول إليها عبر شبكات افتراضية خاصة (VPN) رغم حجبها الرسمي.
في مراكز التسوق الراقية في عشق أباد، يعكس تصوير الشباب لرقصاتهم ونشرها على “تيك توك” اهتماماً متزايداً بالثقافة الرقمية. حتى في الأوساط الجامعية، حيث يرتدي الطالبات ملابس حمراء مستوحاة من الزي الشعبي الإلزامي، يمكن ملاحظة أثر التغيرات الثقافية. إينيجان فيلمورادوفا، مؤثرة على وسائل التواصل الاجتماعي، بدأت في الترويج لشركة السياحة التي تديرها عبر “إنستغرام” منذ عام 2020، وتنظم رحلات للأثرياء التركمان إلى وجهات عالمية. تعبر فيلمورادوفا عن سعادتها بانفتاح بلادها، مؤكدة أن الصور النمطية عن تركمانستان كبلد منغلق بدأت تتلاشى.
يعمل محمد بيرامجولييف، في مدرسة رياضية في عشق أباد، على تعليم الشباب رقص البريك دانس، وهو أسلوب رقص الشارع الذي نشأ في نيويورك، والذي كان يمارس بسرية في تركمانستان خلال شبابه.
ما هي الخطوات التالية؟
يبقى السؤال حول مدى استمرارية هذا الانفتاح التدريجي ومدى تأثيره على الاقتصاد والمجتمع التركماني. ستكون مراقبة التغييرات في سياسات التأشيرات، وتطورات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وجهود تنويع الاقتصاد، مؤشرات هامة لمسار تركمانستان المستقبلي. كما أن مدى التكيف مع التكنولوجيا الرقمية والمتغيرات الثقافية سيلعب دوراً في تشكيل مستقبل البلاد.
