موجة حر بحرية غير مسبوقة تهدد النظام البيئي لساحل كاليفورنيا
لوس أنجلوس – تشهد سواحل ولاية كاليفورنيا منذ بداية العام الحالي ارتفاعاً قياسياً غير مسبوق في درجات حرارة المياه، وهو ما ينذر بخطر حقيقي على النظام البيئي البحري في المنطقة. فقد رصدت محطات رصد درجات الحرارة الساحلية التابعة لمعهد “سكريبس” لعلوم المحيطات، والتي تراقب حرارة المياه على امتداد سواحل الولاية منذ قرن من الزمن، ارتفاعات ملحوظة تجاوزت المتوسط التاريخي بأرقام كبيرة، مما يثير قلق العلماء.
وبلغ الفارق في درجات الحرارة أكثر من 10 درهات فهرنهايت في بعض المناطق، مثل محطة “لا جولا”، مما يعكس اختلالاً واضحاً في التوازن البيئي البحري. وتأتي هذه الظاهرة بعيداً عن التغيرات الدورية المعتادة مثل ظاهرة “النينيو”، حيث يعزو العلماء سببها إلى نظام جوي ذي ضغط مرتفع استقر فوق المنطقة، مشابه في تأثيره لظاهرة “البلوب” التي ضربت المنطقة قبل عقد من الزمن وتسببت بأضرار جسيمة للحياة البحرية.
ظاهرة “البلوب” الجديدة: أسباب وتداعيات
يشير العلماء إلى وجود تشابه واضح بين الظاهرة الحالية وظاهرة “البلوب” التاريخية، حيث أن كلاهما ناجم عن ظروف ضغط جوي مرتفع ساهم في رفع درجات حرارة الهواء والمياه معاً. وتُعد الظروف الجوية الهادئة والمشمسة التي نتجت عن هذا النظام الجوي سبباً رئيسياً في موجة الحر الشديد التي ضربت كاليفورنيا. يراقب العلماء الوضع الحالي بحذر شديد، معتبرين أن الأسابيع القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الموجة الحارة ستنحسر تدريجياً أم ستتطور لتصبح ظاهرة طويلة الأمد.
ويحذر عالم المحيطات أندرو ليسينغ من الإدارة الوطنية للمحيطات والمناخ، من احتمال حدوث تأثيرات أكثر حدة في فصلي الخريف والشتاء المقبلين، لا سيما إذا استمرت درجات الحرارة المرتفعة وتزامنت مع ظاهرة “النينيو” القوية. وتُعرّف عملية “التيارات الصاعدة”، التي تحدث عادة في فصل الربيع، بأنها هبوب رياح شمالية غربية تدفع المياه السطحية الدافئة بعيداً، مما يسمح بصعود المياه الباردة الغنية بالمغذيات من الأعماق. هذه المغذيات ضرورية لنمو العوالق النباتية التي تشكل أساس السلسلة الغذائية البحرية.
تداعيات سلبية على النظام البيئي البحري
تؤدي موجات الحر البحرية الممتدة إلى تأثيرات سلبية كبيرة في النظام البيئي، حيث تتضرر العوالق النباتية وقد تزدهر أنواع ضارة من الطحالب. وهذه التغيرات تنعكس على مختلف الكائنات البحرية، بما في ذلك أسود البحر والدلافين والطيور الساحلية وبعض أنواع الأسماك. وتعزو الباحثة ميليسا كارتر من معهد “سكريبس” ارتفاع درجة حرارة المحيط في السنوات الأخيرة إلى الاحترار التدريجي الناتج عن أزمة المناخ العالمية، بالإضافة إلى تغيرات جوية معقدة قيد الدراسة.
وقد أدت هذه الظواهر إلى أحد أسوأ مواسم صيد سرطان البحر “دانجينيس” في التاريخ الحديث. وتحذر كارتر من أنظمة الضغط الجوي المرتفع التي يمكن أن تخلق حلقة مفرغة تعزز الظروف الدافئة والهادئة، مما يقلل من فرص حدوث ظاهرة التيارات الصاعدة. وإذا أصبحت هذه الأنظمة أكثر قوة واستمرارية، فقد يؤدي ذلك إلى تعطيل هذه الظاهرة الحيوية وتداعيات خطرة على النظام البيئي البحري.
توقعات مستقبلية والآفاق
بينما لوحظ انخفاض طفيف في درجات حرارة المياه المرتفعة خلال الأيام القليلة الماضية، مما قد يشير إلى بداية انحسار موجة الحر، يؤكد العلماء أن الأمر لا يزال بحاجة إلى مزيد من الوقت والمراقبة للتأكد من هذا الاتجاه. وتشير التوقعات الحالية إلى احتمال بدء انخفاض تدريجي في درجات حرارة المياه خلال الشهر المقبل، لكن هذا السيناريو لا يزال غير مؤكد، حيث يبقى التسلسل الزمني للأحداث وتطورها عاملاً حاسماً.
على الرغم من وجود بعض الآثار الإيجابية المحدودة مثل اقتراب أسماك التونة من السواحل، إلا أن هذه الفوائد تبقى ضئيلة مقارنة بالخسائر البيئية المحتملة. ويعبر العلماء عن قلقهم من أن المحيط لا ينبغي أن يتحول إلى بيئة غير مناسبة للحياة البحرية، وأن الحفاظ على توازن النظام البيئي هو الهدف الأساسي الذي يجب السعي إليه.

